مما لا شك فيه ان ما شهده الجنوب اللبناني في الايام القليلة الماضية لم يكن وليد صدفة او نتيجة "فورة دم عفوية" من شخص وهمي اسمه "الاهالي" – بل جاء في سياق طبيعي للارتدادات الاقليمية والدولية على القرار الاممي بفرض عقوبات قاسية على النظام الايراني بشأن ملفه النووي.
وبالتالي فان ما حصل في الجنوب يؤكد مجمل شكوكنا وهواجسنا التي لطالما جاهرنا بها علنا ويضعنا امام معادلات تطال مستقبل الاستقرار اللبناني في المدى المنظور والمتوسط – ذلك لان اي تمادياً في التعدي على القوات الدولية سيؤدي بالنتيجة الى ردة فعل دولية عكسية ينهار معها القرار الدولي 1701 وتعيد الجنوب ولبنان والمنطقة الى دائرة التجاذبات والى حافة الحرب.
من هنا وللتاريخ نؤكد على ما يأتي:
اولا: ان ما حصل مع الكتيبة الفرنسية في اليونيفيل يثبت مرة جديدة جدية غياب السيطرة الامنية والميدانية للدولة اللبنانية على المنطقة لا بل غياب الامساك الرسمي للدولة بالارض والقرار الجنوبي – فكما سبق وشرحنا اكثر من مرة ان الدولة اللبنانية كشخص معنوي في القانون الدولي هي وحدها المسؤولة امام المجتمع الدولي عن التجاوزات والتعديات التي تحصل ضد القرار الدولي من الجانب اللبناني، كما ضد قوات اليونيفيل فيما على ارض الواقع الدولة اللبنانية رهينة مصادرة قرارها الفعلي السياسي والامني وفاقدة لقدرتها الميدانية على ضبط الساحة الجنوبية – ازدواجية تتحمل الدولة الجزء الاكبر من مسؤوليتها بمجرد انها شرعت المقاومة من دون ان تكون لها يد على قراراتها. والدليل الواضح على الارض اليوم ان الدول الكبرى تحمّل الجيش اللبناني ما يحصل على الارض وتحمل ديبلوماسيا وقانونيا الدولة اللبنانية نتائج ما يحصل لان الدولة فوضت امر الجنوب والقرار الجنوبي الى المقاومة، فباتت الدولة مقيدة بدفع فواتير من مصداقيتها وصدقها وسمعتها وظهورها بمظهر القادرة على الامساك بقرارها ثمنا لغطرسة سلاح الامر الواقع الذي يتبجح بشرعنته في البيان الوزاري وتصاريح كبار مسؤولي الدولة.
ثانيا: ان ما حصل سقوط مريع لمنطق شرعية الدولة اللبنانية في الجنوب الذي يفترض ان تكون السلطة الرسمية باسطة لنفوذها وسيطرتها على كامل التراب اللبناني، واكثر من ذلك الضامن الرئيس لامن وسلامة قوات اليونيفيل المولجة مساندة الدولة ومؤازرتها على بسط سلطانها جنوبا. فالشرعية اللبنانية اثبتت غيابها الكلي، واكثر من ذلك تصرفها ما بعد الاعتداءات الاخيرة على الكتيبة الفرنسية ان دلت على شيء فعلى استجدائها قوى الامر الواقع في الجنوب حتى ولو اضطرها الامر الى تبني وجهة نظر سلاح الامر الواقع والقبول بتركيبة ان الموضوع "اهلية بمحلية". فيما الواقع والحقيقة كما يعلمها الجميع – وعلى كل حال كما تعلمه عواصم القرار الدولي – غير ذلك تماما، اذ ان الحقيقة ان الجنوب لطالما اعتبره "حزب الله" ساحة المواجهة بالوكالة والنيابة والتكليف الشرعي عن النظام الايراني لايصال الرسائل الساخنة وتهديد المجتمع الدولي برهائن لبنانيين واجانب كلما اشتد الخناق والحصار على النظام الايراني.
فالشرعية اللبنانية اثبتت للمجتمع الدولي مرة جديدة ان القرار الجنوبي ليس بيدها، ما سيدفع الدول المعنية بالمشاركة في القوات الدولية الى اعادة حساباتها وفي احسن الاحوال الى تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية اعمال لا تخضع لامرتها ولا تستطيع ضبطها – ما يعني ضرب مصداقيتها الدولية والتأثير على الثقة الدولية بلبنان ودولته – فلا يكفي ان تعلن الدولة عن تمسكها بالقرار الدولي 1701 وبالقوات الدولية في الجنوب كي تقتنع الدول الكبرى المشاركة بحقيقة الموقف اللبناني لانها بعد اليوم بحاجة الى افعال وترجمة فعلية على ارض الواقع – وهذا ما تعجز عنه الدولة التي قيدت نفسها وحبست مواقفها في المثلث المبتدع "شعب وجيش ومقاومة"…
ثالثا: ان التفسيرات والاجتهادات الصادرة خلال الايام الاخيرة من اكثر من طرف في "8 اذار" و"حزب الله" لمفهومهم لقواعد الاشتباك ونصوص القرار 1701 ومندرجاته، تؤكد ان ثمة امرا اما بدا يتحرك على صعيد استمرار تغطية "حزب الله" للقرار والامتثال له وكأننا في بداية حركة تمرد على القرار وعلى الشرعية الدولية – لان مجرد نقض نصوصه واختراع قواعد واليات لم يأت القرار على ذكرها تعتبر بداية للطعن به – سيما وان القرار الدولي حدد بذاته اليات تطبيقه. وحسنا فعلت كتلة المستقبل النيابية بالاشارة الى نص الفقرة (12) من القرار 1701 الذي لا يبدو ان الاخوان في حزب الله قرأوها جيدا وان فعلوا فانهم بالتأكيد اعتبروها وجهة نظر ليس الا … في وقت من قال ان ليس للقوات الدولية الحق في التحرك الحر في منطقة عملياتها.
فانطلاقا من مجمل هذه الملاحظات، نرى ان اهم استنتاج نخرج به مما حصل وقد يحصل في المستقبل هو في ان الدولة اللبنانية مدعوة فورا الى الامساك بالوضع الجنوبي واسترداده من يد "خاطفيه" الاقليميين – فلا يكفي ان تكون الدولة قوية على فريق لبناني ومستنفرة لتطبيق القانون وبسط الشرعية في منطقة لبنانية، بينما تظهر من "المياعة" والتراجع والتخاذل ما يقضي على مصداقيتها الدولية والداخلية ويفتح البلاد على المزيد من الانقسامات والتحديات الاقليمية وعلى المزيد من ارتهان القرار اللبناني بمصالح الخارج .
ان القرار 1701 اما ان يكون اداة فرض الدولة لسيادتها على الجنوب والا المحك الذي سوف يعريها من مصداقيتها الدولية بعد اليوم … خصوصا وان لبنان مقبل على استحقاقات كبيرة تتطلب منها اثبات قدرتها على تثبيت وجودها وشرعيتها والامساك بقرارها السيادي … والا …