الذكرى السنوية الرابعة لحرب تموز. كيف يحتفل بعضهم بذكرى مماثلة؟
"الاحتفال" بماذا مثلا؟!
بالنصر طبعا على اسرائيل! طيّب كيف هو وجه النصر؟ كيف نفسّره؟ ما هي معالمه؟
أنا أعرف ان النصر اولا، هو شعور بالنشوة، بالاكتفاء، بالسعادة الغامرة في استرجاع لحظات نادرة، مع ضربات قلب متسارعة، اضافة الى شعور عارم بحبّ الوطن، بكل مساحاته وبكل ما فيه، من تفاصيل حلوة ومرّة، وبكل من فيه من مناصرين وأخصام وأحزاب… والاهم من كل ذلك، وبحسب ما أعرف، أعرف ان النصر يغيّر من استراتيجيات البلدان "المنتصرة"، بحيث يصبح بامكانها فرض شروطها وسيطرتها على العدو أولا، ثم على من يدّعون الصداقة والاخوة، وتصبح صورتها أكثر تألقا واحتراما، لدى البلدان الاخرى الصديقة.
حتى الان، وأقله في السنوات العشر الاخيرة، لم نشعر بهكذا شعور، الا في ذاك الـ اذار من عام 2005، عندما أطلق الجيش اللبناني حريتنا في ساحة الشهداء، وبعدما كنا قبعنا في تلك الساحات أياما ننده على الاستقلال، وأيضا في ذاك الـ 26 نيسان 2005، يوم جلاء اخر جندي سوري عن لبنان، و…خلص، هناك توقفت المشاعر الغامرة.
قد تكون المشاعر"الوطنية" ناقصة، اذ سيهبّ الوطنيون المخلصون ويقولون"وماذا عن 25 ايار عام 2000، تاريخ انسحاب الجيش الاسرائيلي من بعض الجنوب". لن تعجب الاجابة أحدا وطبعا التهمة جاهزة: العمالة. حتى اللحظة، لم أشعر يوما بعد، ان هؤلاء انسحبوا واندحروا وتقهقروا … وما الى هنالك من تعابير القرون الغابرة. على العكس، أشعر ان وجودهم معزّز مكرّم على الراحات، تماما مثل السوريين، مع فارق بسيط، ان وجود الجيران الاشقاء مقنّع عبر وجوه لبنانية، ووجود الجيران الاعداء ثابت، ليضمن "شرعية" وبقاء ووجود بندقية، غير بندقية الشرعية اللبنانية، تعود لوجوه لبنانية.
كلما حلّ تموز، ومذذاك الـ تموز 2006، أشعر الخطر الكبير الداهم على باب الايام أو أكثر من الشعور بالخطر، هو الخوف من شيء ما، من كل شيء، من كل الناس، من كل اللبنانيين، من كل الغرباء فيه وعلى بابه، من اللبنانيين الغرباء عن رائحة التراب فيه، من لبنانيين يزرعون في تربته شتولا هجينة، فتثمر بدل الزيتون والتفاح والعنب، أجيالا مبرمجة معلّبة مؤدلجة.
أخاف على لبنان من لبنان. أخاف على لبنان من ذكرى تلك الحرب.
انتصار؟ أين هو؟ في أيّ وجه تجلّى؟ في الـ 1200 شهيد؟ في الدمار الهائل؟ في الجمهورية العاجزة عن مواجهة جمهورية اخرى تفوقها تسلحا وتدريبا؟ في جنوب مرتعب يخشى التعبير عن ذاته، والافصاح عن رعبه من أرض، صار باطنها، بدل التراب والجذور، أقبية ومخازن وترسانات، تنتظر الساعة الصفر ليعلن الجحيم ساعته.
ليس الكلام للاحباط، على العكس هو دعوة للحقيقة. لا ثورة من دون حقيقة نسعى خلفها.
أنا خائفة. ويجب أن تخافوا مثلي. وأعرف انكم خائفون أكثر مني. يخاف أكثر من يحب أكثر، ونحن نحبّ. نحن نعشق هذه الارض. نحن ينخرنا الحنين للحب الصافي، وتنخرنا من جهة اخرى الخيانة. نحن نخاف على الانسان المسكون بالحلم، وعلى الحلم الذي بدأ يتكسّر على أبواب مجانين السطة.
نحن لا نحزن عندما يهاجمنا الاعداء. نواجه بما تيسّر. بالسياسة حينا وبالمواجهة أحيانا. تعوّدنا. ولكن نحزن عندما نرى، أن العمر، كل هذا العمر في النضال، يضيع هباء في دولة، عاجزة عن تحرير محضر ضبط سخيف في مخالفة سير، أو القيام بجباية بديهية في مناطق دون اخرى، وأن يصبح الوطن أرض أحلام خائبة، وحبّا كبيرا موجعا من طرف واحد. كيف سيتواصل هذا الحبّ وأين يزرع بذوره؟ في أي اذار وأيّ نيسان؟ أم لعله في تموز وحده يزهر موسم الحصاد؟!