#adsense

القبعات الزرق… جواسيس؟!

حجم الخط

لم يكلّف احد نفسه في هذه الدولة السعيدة عناء العودة الى الارشيف لقراءة نص القرار 1701 الذي يحدد مهمات القوات الدولية "اليونيفيل" في الجنوب.
ولأن محور الضجيج الآن هو "حرية الحركة" الممنوحة لهذه القوات، فان "حرية التفسير" و"حرية التنظير" و"حرية التقرير"، هي التي طغت على المواقف والتصريحات، الى درجة تسمح بالقول، اننا في قبضة دولة اللادولة حيث الاجتهادات كثيرة ومتناقضة.

لكن اذا كان التناقض في التصريحات والمواقف جائزا في لبنان، باعتبار ان المسؤولين والسياسيين يفترضون ان اللبنانيين بلا عقل او ذاكرة، فمن غير الجائز على الاطلاق التعامل مع الدول الاخرى، وخصوصا تلك المشاركة في عديد القوات الدولية بهذا الاسلوب المسخرة!

فلقد كان من المثير للدهشة ان يتناوب عدد من السياسيين والمسؤولين على اعطاء تفسيرات مفادها ان القوات الدولية ليست مخولة التحرك الا برفقة الجيش اللبناني وبالتنسيق معه. وان المناوشات التي حصلت مع الجنود الفرنسيين سببها عدم وجود عناصر من الجيش مع الدورية الفرنسية التي تعرضت للرشق بالحجار.

❒ ❒ ❒

عمليا، تبدو هذه التفسيرات وكأنها تخلط شعبان برمضان، اذ يكفي ان يعود المرء الى نص القرار 1701 ليكتشف ان هناك من يتعمد دمج "الفقرة ب" من البند رقم 11، بالنص الصريح للبند رقم 11 في القرار المذكور.

تنص "الفقرة ب" من البند رقم 11 على ما يأتي: "مرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية اثناء انتشارها في جميع ارجاء الجنوب، بما في ذلك على طول الخط الازرق واثناء انسحاب اسرائيل…"، وهذا يعني ان المرافقة تتم اثناء الانتشار، الذي يبدو انه لم يستكمل عديده من الجنود اللبنانيين، لان المطلوب هو ارسال 15000 جندي، فيما ليس هناك اكثر من 3500 جندي.

بينما ينص البند رقم 11 على ما يأتي حرفيا: "واذ يعمل لدعم طلب حكومة لبنان بنشر قوة دولية لمساعدتها في ممارسة سلطاتها في جميع انحاء اراضيه، يأذن لقوة الامم المتحدة الموقتة في لبنان باتخاذ جميع ما يلزم من اجراءات في مناطق نشر قواتها وكما ترتئي في حدود قدراتها، لكفالة الا تستخدم منطقة عملياتها للقيام بأنشطة معادية من اي نوع… الخ".

واضح ان هذا النص الصريح يعطي الجنود الدوليين حرية الحركة، ولكن ما يدعو الى الاستغراب هو ذلك التناقض الفاقع بين ما تقوله الدول المشاركة في "اليونيفيل"، وخصوصا فرنسا، التي تؤكد تمتع "اليونيفيل" بـ"حرية الحركة"، وما يقوله البعض في لبنان من انها ملتزمة مرافقة الجنود اللبنانيين، بينما من الواضح ان هذا الالتزام محصور بفترة اعادة الانتشار التي يفترض ان تكون قد تمت منذ اربعة اعوام!

❒ ❒ ❒

منذ حصول المناوشة الاخيرة مع الفرنسيين حتى هذه اللحظة، لم نسمع من هذه الدولة السعيدة موقفا واضحا ومفهوما ينوّرنا لجهة كيف ينظر لبنان الى "حرية حركة اليونيفيل". لا بل ان ما يقال في بيروت، سواء رفض هذه "الحرية"(!) او حاول المغمغة في الحديث عنها ، يبدو متناقضا تماما مع رأي الدول المشاركة في هذه القوات التي تتمسك صراحة بهذه الحرية لجنودها.

والقصة في بعدها وخطورتها ليست قصة قراءة في النصوص والفقرات، بل هي قصة تآكل الاحساس بالجدوى وارتفاع نسبة الاستياء عند دول "اليونيفيل". فقد نشرت تصريحات تقول، ان هذه الدول "بدأت تراجع جدوى عملها في ارض لا يستوعب اهلها فائدة وجودها". وانه "اذا كان الجنوبيون لا يرغبون في وجودنا فليقولوا ذلك صراحة"!

والقصة ايضا قصة ثقة وركون. فاذا كان هناك من يتعامل مع جنود "اليونيفيل" وكأنهم جواسيس، فان كل ما يقال الآن عن التمسك بالقوات الدولية والحرص على بقائها وتقدير دورها في الجنوب وعودة الامور الى نصابها، لن يزيل من نفوس جنود "اليونيفيل" الحساس بالريبة والخوف، وكأنهم في ارض معادية.
والقصة ايضا وايضا، ليست قصة مجموعة من الصبية والنساء يخرجون لإلقاء التهم والحجار على هؤلاء الجنود الذين يتزايد ألمهم واقتناعهم بان الافضل هو البقاء في مراكزهم في انتظار يوم رحيلهم.

واذا كانت الاجواء الجنوبية واللبنانية ملبدة بالحذر والخوف من قيام اسرائيل بشن حرب جديدة فان ابسط قواعد المنطق هو عدم مناكفة القبعات الزرق، التي تمثل اطفائية دولية في وجه الاخطار الاسرائيلية الداهمة. اما اذا كان المطلوب توجيه الرسائل الاقليمية الى الرئيس نيكولا ساركوزي، فان "اليونيفيل" ليست البريد الملائم!

المصدر:
النهار

خبر عاجل