معه حق سمير جعجع يا إخوان… قال عن المحكمة الدولية إنه "ليس بالتفنيص وتحوير الوقائع تُوَاجه، بل بأدواتها (وآلياتها) من خلال تحضير لوائح ومحامين وأدلة تدحض أي أدلة مقابلة". وكلامه هذا جزء من كلام آخر مماثل قيل أكثر من مرة على سبيل المحاججة… خصوصاً وأنه جرى تسريب خبر يفيد بأن "البعض" عندنا يملك من الوقائع ما يفوق ما يملكه المدّعي العام في جريمة اغتيال الرئيس الراحل الشهيد رفيق الحريري.
غير أن كل ذلك لا ينفع، بل كل ما يمكن أن يُجمَع من حِكَم المنطق في الدنيا لا يمكن أن يُقنِع من لا يريد أن يقتنع..
والذين لا يريدون أن يقتنعوا كثر، والبديل الجليل عندهم منذ بدء الحكي أساساً في التحقيق الدولي والمحكمة الدولية هو العمل بكل ما أمكن من أجل منع ذلك المنحى، ثم من أجل تعطيله بعدما استحال المنع، ثم التشكيك والتبخيس بعدما استحال التعطيل، ثم النكران التام بعدما استحال التشكيك والتبخيس، ثم أخيراً التهويل والتحذير ودقّ النفير بعدما استحال كل شيء آخر.
وطبعاً، بين كل تلك المحطات، كانت بعض الأصوات الفاجرة تحسم وتجزم بأن التحقيق لن يصل الى شيء، ثم أن المحكمة لن تقوم. وتماماً مثلما هو حاصل اليوم، كانت أدوات الجزم والقطع المستخدمة بكثافة تسير في خط مواز مع كل حراك ميداني متمم.. غير أننا وصلنا. وبعد أن وصلنا تحوّل الكلام الجازم والقاطع والبتّار باتجاه آخر: التحقيق وصل والمحكمة قامت، لكن الأمر كله عبارة عن فبركة هدفها النيل من المقاومة وأهلها بعدما عجزت الحرب عن ذلك.
بقليل من المنطق يمكن أن يُقال إنه إذا كانت إسرائيل متهمة بالجريمة وأخواتها، وأن شربل قزّي الجاسوس الموصوف هو البرهان على ذلك، فإن كل الكلام المعادي للتحقيق والمحكمة الذي تُلي على مسامعنا منذ خمس سنوات (وأي كلام..) يُفترض أن يُلحس من قبل أصحابه، وأن يقدِّم هؤلاء اعتذاراً طنّاناً الى عموم اللبنانيين عن محاولة بلفهم واستغبائهم واعتبارهم قليلي الفهم والإيمان، وعن اتهامهم بكراماتهم الشخصية ومنعتهم الوطنية.. يعني الاعتذار عن كل ما فُعِلَ من أجل تحطيم التحقيق وتعطيل قيام المحكمة، لأنه لا يُعقل أن يعمل أرباب الممانعة هؤلاء كل شيء لتخريب الوصول الى حقائق تدين إسرائيل، الأمر غير منطقي على الإطلاق!
.. ثم بعد هذا، إذا كانت الفبركة قائمة للنيل من المقاومة بعدما عجزت الحرب عن ذلك، فكيف سيتم الأمر، بأي طريقة وأي سلاح؟.. إذا كانت الفتنة هي المرتجى لتحقيق ذلك، فهل يكون الرد من قبل الممانعين أنفسهم بالتلويح بتلك الفتنة على مدار الساعة؟. غريب! إما أن بعض أصحاب المقاومة اليوم هم أول المتآمرين عليها، أو أن كلامهم الفتنوي لا يمكن أن يُدرج إلا في سياق الغباء والحَوَل. لا احتمال آخر..
في كل حال، كتب أحد الزملاء الأعزاء منذ أيام عن خفّة مستهجنة تُغلّف كلاماً كثيراً يُدلق على عواهنه حيال موضوع "اليونيفيل" وغيره الكثير.. وذلك عدا عن صحّته يمكن أن يكون متواضعاً أمام توصيف ما يُحكى عن المحكمة وتداعياتها.. وعن الفتنة وأفاعيها: خفّة مفخخة تجعل الإسرائيلي مهتاجاً لملاقاة أصحابها باعتماد خطابهم التهويلي ذاته، وكل أمله أن تتحوّل الفتنة التي يزلغطون لها من حالتها الباردة الآن الى المتفجرة والحارة غداً.
عن ماذا يحكي هؤلاء؟ وهل يمكن أن يصير الانتحار الوطني العام برنامجاً مُشعّاً وسعيداً الى هذا الحد.. هل يمكن أن يصل العمى السياسي الى هذا المستوى؟!.