منذ الاستقلال أخذ لبنان على عاتقه أن يلعب دوراً توفيقياً في إطار أسرته العربية، وأحياناً ذهب الى حد التوفيق بين دول أخرى غير عربية، وأول رئيس وزراء للاستقلال، المغفور له رياض الصلح، كان دائماً يردد ان للبنان دوراً أساسياً يقوم على قدرته بأن يكون وسيطاً لرأب الصدع بين هذه الدولة أو تلك، والتركيبة الميثاقية للنظام اللبناني والشراكة بين المسلمين والمسيحيين أعطت هذا الدور أبعاده المهمة، على اعتبار ان لبنان، ومن خلال معادلة التعايش الحضارية، كان بمقدوره مخاطبة أي دولة في هذا العالم بثقة كبرى.
…. وقد وصل الدور اللبناني الى حد أن الرئيس الراحل رياض الصلح وهو بطل الاستقلال أرسل موفداً خاصاً به ممثلاً بالرئيس تقي الدين الصلح، الذي كان يتميز بالحكمة والصبر، الى الهند، عارضاً وساطة لبنان في الإشكالات التي كانت تقع بين الهندوس والمسلمين، من دون أن يغيب عن الذاكرة أن لبنان دولة شاركت في تأسيس الامم المتحدة وجامعة الدول العربية، إضافة الى الحضور الفاعل والكبير في كل المحافل العربية والدولية.
…. هناك قول شهير للزعيم الخالد جمال عبد الناصر مفاده، "إن لبنان هو ضرورة عربية يجب المحافظة عليه"، وهناك قول آخر لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز ومفاده "إن لبنان رئتا العرب وهم يتفسون بهما".
.. من هنا تكمن أهمية لبنان المناصفة بين المسلمين والمسيحيين كوطن للتعايش، ما يتطلب منا كلبنانيين أن ندرك أهمية هذا البلد، وأن نقوم بتطوير دوره، كي يبقى مكاناً للحوار الهادئ والموضوعي، والذي لا همّ له إلا تحقيق الوئام والوفاق، خصوصاً بين الاشقاء العرب.
يحدوني هذا الكلام بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي نور المالكي والسيّد اياد علاوي الى بيروت، واجتماعاتهما مع المسؤولين اللبنانيين، ومن المعروف أن العراق لا يزال يعاني أزمة عدم تشكيل حكومة وعلى مدى ستة أشهر بعدما جرت الانتخابات.
… كتلة السيّد اياد علاوي النيابية هي الاكبر، يقابلها كتلة السيّد نور المالكي، وتحالفات الطرفين تكاد تكون متوازنتين، والاثنان معاً لهما علاقات وطيدة مع اللبنانيين على مستوى المسؤولين، وكذلك لهما علاقات على مستويات أخرى، وهنا يمكن أن يلعب لبنان دوراً – وله خبرة في ذلك – للتوفيق بينهما، وإيجاد صيغة تفتح في المجال بإعلان تشكيلة حكومية يرضى عنها الجميع.
إن ايجاد صيغ توفيقية ووفاقية تكاد تكون حرفة لبنانية، وفي نتيجة الامر علينا كلبنانيين المحاولة، والنجاح والفشل منوطان بالظروف الموضوعية والمحيطة بالعراق، هذا البلد العربي الكبير الذي تمزقه الخلافات، وهو يرزح تحت الاحتلال بكل أسف.