يحدثوننا هذه الأيام الصعبة عن «فض اشتباك بين قوة حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) وبين بعض أهالي الجنوب وتحديداً في جويا أمس ويرون في ما حصل تكراراً بين «اليونيفيل» وبعض الأهالي خروجاً على «قواعد الاشتباك» وكأن الأمر كان مطروحاً يوم اتخاذ القرار الدولي 1701 بين ما على القوة الدولية اتخاذه، او بين ما على الأهالي العمل بموجبه، برعاية وتوجيه مباشرين من الدولة اللبنانية؟!
الرئيس نبيه بري قال أمس بصريح العبارة في مجلس النواب ان ما حصل في الجنوب قد تم توضيحه بنسبة 95 في المئة، فيما هناك من يجزم بأن التوضيح من جانب الدولة هو المطلوب كي لا تتكرر «مهزلة اللعب بالقرارات الدولية وبمصلحة لبنان الارض والشعب والمؤسسات خصوصاً ان نسبة التوضيح العالقة تبقى في نظر من يعينهم الأمر ان «الوحدة الفرنسية في اليونيفيل جماعة زعران جل همهم عرض عضلاتهم على الشعب الجنوبي المسكين» فيما تؤكد الوقائع على الارض انه مع تكرار خطأ التعاطي قد يصل الأمر الى حد ترك الدولة اللبنانية «تقلع شوكها بيديها»، مع ما يعينه ذلك من مصلحة إسرائيلية في زمن تتطلع حكومة بنيامين نتانياهو الى من ينفس لها احتقاناتها الاقليمية والدولية جراء ما حصل يوم تصدت لسفن الحرية وجراء بقاء الدمل في غزة على ما هو عليه!
وما يثير الدهشة والاشمئزاز في وقت واحد، هو اصرار بعض المسؤولين في السلطة وبينهم وزراء ونواب وسياسيين من الطراز الرفيع على اتهام الفرنسيين بالتحرش بأماكن معينة في الجنوب حيث يقال والعهدة على الراوي ان ما حصل ما كان ليحصل لولا اقتراب عناصر اليونيفيل من الفرنسيين وغيرهم من أماكن تخزين أسلحة وصواريخ المقاومة، وهذا يكفي وحدة للدلالة على ان التخزين المشار اليه يتعارض مع منطوق القرار 1701 ومع التزام الجيش واليونيفيل وحزب الله ابعاد كل ما من شأنه ان يثير شهية إسرائيل العسكرية في حال لم يتم العمل بإخلاء مناطق جنوب الليطاني من أي سلاح.
هذه النظرة لا تعني خروجاً على قواعد الاشتباك بين حزب الله وإسرائيل، بل بين الدولة اللبنانية والعدو، الا اذا كان هناك من يصر على فض اشتباك من طرف واحد هو طرف القوة الدولية. أما التجييش الشعبي والسياسي الذي رافق التطورات الأخيرة في الجنوب مراراً وتكراراً فلا يعدو كونه تقصيراً فاضحاً من قبل الجيش اللبناني الذي يتعاطى مع القرار 1701 ومرجعية القوة الدولية وكأنه حال سياسية داخلية قادر على لجمها فيما العكس هو الصحيح، بعدما تبين لكل من يتتبع ما حصل مع «اليونيفيل» ان المشكلة قد تصل الى حد صرف النظر عن القرار 1701 واعتباره وكأنه لم يكن (…) ومن بعده الطوفان؟!
أوساط حكومية تتحدث عن هذه النقطة بالذات وكأن الجيش اللبناني غير قادر ولا هو مؤهل لأن يضع خطاً أحمر بين ما هو مطالب به وبين ما يراه مصلحة لبعض أفرقاء الداخل، لاسيما ان سياسيين وحزبيين ومسؤولين لا يتورعون عن اتهام المؤسسة العسكرية والدوائر الامنية بأنها تنفذ مصالح خاصة. وفي حال قيل العكس لا بد من اتهام في المقابل لبعض السلطة السياسية، خصوصاً ان الكلام على مصالح شخصية لم يتوقف بدليل ما يقال عن اتصالات لم تنقطع بين بعض الداخل وبعض الخارج، لاسيما ان ما يرد من كلام تصعيدي بين الخصوم السياسيين يحمل في طياته «اتهامات عمالة وصلت الى حد مراجعة القضاء»!
والذين يتحدثون عن امتعاض فرنسي – ولي بالنسبة الى ما حصل في الجنوب، لا يخفف من وقع سلبياته الكلام على توضيح نسبة 95 في المئة منه، ويقول ديبلوماسي عربي ان «اسقاط عوامل الخوف من الوصول بإسرائيل الى تجديدها الحرب على لبنان، لا يعكس واقعاً ملموساً، حيث تؤكد النظرة الى الداخل الاسرائيلي ان «مجرد اطلاق خبر عسكري لا بد وان ينعكس سلباً على لبنان»، وهذا غير مستبعد بحسب ما عودتنا إسرائيل عليه في حال كان هناك قرار دولي او مجرد تطمينات من دول شقيقة وصديقة؟!
أما أولئك الذين أملوا بموسم سياحي – صيفي واعد، فلم يعودوا بمستوى زخمهم السابق، لاسيما في حال أطلقت رصاصة بشكل خاطىء وفي مكان خاطىء، حيث سينقلب الأمل الى خوف أوسع وأشمل لن يوفر القطاع السياحي ولا منطقة لبنانية من التهور الاسرائيلي الذي لا يكفي حياله القول ان إسرائيل ستعد للألف قبل ان ترتكب حماقة عسكرية او سياسية، طالما ان حماقاتها وارتكاباتها السابقة قد أصبحت وراءها، فيما بقي لبنان بدولته وشعبه ومؤسساته في دوامة البحث عما ينسيه معاناة الحرب؟!