#adsense

تفقد الدولة قيمتها عندما تفقد هيبتها

حجم الخط

يحتار اللبناني في هذه الايام، اكثر مما كان يحتار سابقا، كيف يتعامل مع دولته، وكيف ينظر إليها، هل هي دولة صالحة، تقوم بكامل واجباتها تجاه شعبها، على الرغم من ان اكثرية اللبنانيين يقومون بواجباتهم تجاه دولتهم، باستثناء فريق يرفض الدولة والقوانين والدستور، وفريق آخر يريد ان يكون هو الدولة، ويستمر اللبنانيون في السؤال والتساؤل، هل دولتهم دولة عادلة تعطي اللبنانيين حقوقهم التي كفلتها لهم القوانين، ام انها دولة منحازة تتجاوز الدستور والقوانين واحيانا الاخلاق، فتظلم الابرياء واصحاب الحق، وتنصر المعتدين الظالمين، لانهم اهل قوة وسلطان، وهل تتمتع دولتهم بالهيبة الواجب توفرها عند كل دولة، ام انها تستقوي على الضعيف والفقير والآدمي، وتخضع لمنطق القوي والغني والفاجر؟

ان اهم شعار رفع في لبنان منذ زمن طويل، هو الشعار الذي اعلنته قوى 14 اذار ووعدت فيه اللبنانيين بأنها تنوي العبور الى الدولة، وفي حسابات هذه القوى السيادية انهم يريدون العبور مع الشعب اللبناني الى دولة المؤسسات، والقانون، والقوة، والهيبة، والسيادة، والحريات، ومن جميل الصدف ان الشعار هذا، تقاطع مع ما اعلنه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في خطاب القسم، وفي الكلمات الاخرى المتممة التي ألقاها في مناسبات عدة، ولكن ماذا يفعل العشّار في الوجه القبيح. حسب المثل السائر، وهل استطاعت النيات الطيّبة لوحدها ان تقيم دولة او ان تمنع حربا او ان تصد معتديا، من الداخل كان او من الخارج.

منذ القديم، هناك تسليم من الجميع، بأن لا دولة من دون هيبة وعدالة، وما نقل عن امير المؤمنين عمر بن الخطاب هو عين الحقيقة في هذه المعادلة، فهذا الرجل الدولة كان عادلاً وصاحب هيبة، ويروى عنه ان اعرابياً وجده نائماً ملء عينيه في ظل شجرة نخل، فقال: «عدلت فأمنت فنمت» تعبيرا عن عدل هذا الرجل وهيبته ومحبة الناس له.

الهيبة ان لم تقترن بالعدل والحق والترفع والصدق، هي قوة عمياء تضر اكثر بكثير مما تفيد، فالاداء السليم لرجل الدولة ورجل الامن، هو الذي يكسبهما الهيبة والاحترام، ولذلك هناك مسؤولون يملكون الهيبة ويفرضون الاحترام، وهناك مسؤولون لا يملكون الهيبة ولا يفرضون الاحترام، ومع الاسف ان النوع الاول قليل في دولتنا العلية، ولا يستطيعون لوحدهم وقلّتهم ان يبنوا دولة الحق والقانون والهيبة والاحترام.

في اكثر من حادث ومناسبة، اكتشف اللبنانيون ان دولتهم تفتقر الى الهيبة، وان الطريق الوحيد الذي تحسن عبوره لحل المشاكل المنفجرة في وجهها، ومعظمها امني، هو الحل العشائري، او العض على الجرح، او التراضي مع اهل الحل والربط، واذا اردنا ان نعدد هذه الاحداث والمناسبات ينتهي العمر ولا تنتهي، والمؤسف ان هناك دائما اعذاراً وتبريرات اقبح من عجز الدولة وذنوبها، فيصاب المواطن من جراء ذلك بخيبتي امل، الاولى عند العجز، والثانية عند التبرير.

اعرف ان هناك مسؤولين كبارا يتحرّقون لتسريع عملية «شدشدة» مفاصل الدولة الرخوة او المتراخية، وهم يجهدون لتوفير الارضية الصالحة لاخذ عدد من القرارات تخرج مؤسسات الدولة من سباتها العميق في الاهتراء والفساد والمحسوبية والارتهان الطائفي والمذهبي والسياسي، ويحرصون بين فترة واخرى على تمرير بعض الاصلاحات التي يرون انها تصب في مصلحة الدولة وليس في المصلحة الشخصية لاي كان، لكن الواقع ان العمر يمر بسرعة، وكذلك العهود، «والسنة وراء الباب» كما يقول المثل السائر، وليس مستغربا ان تكون عملية اثارة الملفات الداخلية الخلافية، كالتي اثيرت حول الاتفاقات الامنية، والمساعدات الاميركية، واموال الموازنة، والتنقيب عن البترول، واموال البلديات والمحكمة الدولية والتهديدات بأكثر من 7 ايار واحد، وافتعال المشاكل مع قوات الطوارئ، وغيرها من القضايا التي تسحب في توقيت معين من قبعة الساحر وترمى في اعلام معيّن والقصة هو إلهاء الناس، وارباك المسؤولين وفرملة جهود «شدشدة»، الدولة واستمرار الامساك بخناقها ومنافعها.

* * *
تلقيت منذ ايام رسالة من صديق عزيز هو رفيق الدراسة، هجر لبنان بعد سقوط ساحل الشوف بأيدي الهولاكيين، وحاول كثيرا بعد ان استقرّ في اوستراليا ان يغريني على الهجرة، اقتطع منها هذه الفقرة الموغلة في التشاؤم، يقول صديقي: «… اراهنك يا فؤاد على كل ما املك، ان حزب الله لن يتخلى عن سلاحه وان الدولة لن تقوم، وان الفلسطينيين سيوطنون في لبنان، وان المسيحيين سيهجرّون، وان املاكك لن تعود اليك (وهذه لها قصة ستكتب لاحقا) وان لبنان سيبقى الى سنين عديدة صندوق بريد لرسائل انشطارية…».

وانا المحتار في امر الدولة، احتار اكثر في من اصدّق، صديقي الذي يرى الامور من بعيد، او الذين يبشروننا بصيف واعد، وطبول الحرب تقرع على مسافة امتار من حدودنا؟

المصدر:
الديار

خبر عاجل