الثورة، لغة، هي الأندفاع العنيف نحو تغيير الأوضاع السياسية والأجتماعية تغييرا جذريا. اما في التعريف السياسي، فهي حلول حيثية جديدة مكان حيثية قائمة، أي اعادة بناء الدولة بأحداث تغيير في بنيتها. وقد حدَدها الأستراتيجيون بأنها علم تغيير المجتمع أو حدث يحوَر مسار التاريخ، بمعنى ان ما بعد الثورة يختلف عما قبلها. وقد تباينت المواقف منها، فاعتبرها بعضهم اعادة للتوازن المفقود في العلاقات والأهداف، ورآها آخرون حالة حتمية ضد الطغيان، وجرَدها بعضهم من ضرورة حدوثها فوصفها بانها انحراف وجهد ضائع، ذلك ان المجتمعات تستطيع ان تصل الى أهدافها من دون خسائر. لكن السؤال الأشكالي الذي يفرض نفسه هو: هل الثورة هي دائما حرب الحرية ضد أعدائها؟
ان الثورة تحدث عادة في وسط تسوده علاقات ظالمة، ويعمَ فيه فساد شامل، بحيث تكون حرية الغالبية من الناس غير مصانة وحقوقها ضائعة. وتجعل هذه العلاقات بعض الناس اسيادا يقودون الجماهير بظلم ويحرمونهم من ابسط حاجياتهم الأساسية. والمفترض بالثورة ان تجعل المجتمع يعي ان العلاقات القائمة هي حقا ظالمة، ويدرك ان هناك امكانية للاطاحة بها، فتكون له ردة فعل عليها مساوية لها في القوة أو أكثر، ومختلفة في الأتجاه، أي أحلال علاقات سليمة قائمة على الأفضل والأعدل، هي الطرح البديل المثالي الذي تقدمه الثورة له، فيسقط عنها الأتهام بأنها ثورة للثورة تصل بالمجتمع الى نقطة الصفر. من هنا القول ان الثورة تبدأ فكرية، أي تطرح مبادئ تقوم على ايديولوجية المساواة والحرية، وتشكل بالتالي مشروعا حضاريا متكاملا يخرج عن كونه مجرد انقلاب أو تمرَد. فالثورة ليست هدفا بحدَ ذاته بل هي وسيلة لتحقيق أهداف بفعل واع.
لكن الخط البياني لمعظم الثورات يشير الى ان الثورة هي انتقال من حالة قهر الى حالة قهر أخرى بأسماء جديدة. فالأطاحة بالوضع السائد والذي ينبغي ان يؤدي الى تحولات رئيسة في البنى السياسية والاجتماعية، ويرسَخ مفاهيم جديدة هي المساواة والحرية والعدالة، ليست سوى برنامج شكلي يمنَي الناس بتحسين أوضاعهم. لكن الثورة لا تؤدَي بالضرورة الى هذا الهدف، بقدر ما يتوسلها اصحابها للوصول الى السلطة والقبض على المفاصل الرئيسة في الدولة واحتكار القرار. لذلك، ليس يقينا ان المواطن في ظلَ حكم الثوار، لن يواجه ذلاَ وظلما وعوزا ومهانة هي اشدَ قساوة وسوءا مما كان يعاني منه مع سلطة ما قبل الثورة. وليس يقينا ان الثورة لن تصبح انقلابا عسكريا يسعى الى استلام زمام الأمور وممارسة الأستبداد والأستئثار بحيث تخبو في هذا الوضع آمال التنوير والتقدم. وليس يقينا ان الثورة لن تكون محاولة قفز بهلوانية تؤدَي الى السقوط في الهاوية. من هنا يتشكل السؤال: هل الثورات الا براويز تحمل صورة جميلة لواقع أشد قبحا؟
ان كشف الحساب الذي يجب على الثورة ان تقدمه بعد هدوء الأهازيج النارية، سيظهر خيبة أمل عارمة لدى الذين حلموا بالتغيير فاستفاقوا على وعود غير مترجمة. والصدمة هي عندما يكتشف الناس ان الثورة لم تندفع بقوى المقهورين، بل حركتها أهداف مشبوهة من داخل ومن خارج. وبالتالي، لم تكن هذه الثورة دعما للحرية أو تحقيقا لرخاء الناس، بقدر ما هي تنفيذ لمشروع مستورد يفرض ايديولوجيا اللون الواحد، ويمارس التصفية السياسية بقبضة حديدية. فيعمَ الظلم، وعندما يتساوى الناس في الظلم لا يكون عدلا كما يشيَع الظالمون.