يتذكر كثيرون مثلي يا اخوان، أن أي كلام كان يُقال عن ضرورة دخول الجيش اللبناني إلى الجنوب في الفترة التي تلت التحرير عام 2000 كان يُواجه بمطالعة موصوفة من أهل النظام الأمني داخل السلطة وخارجها، مختصرها العام أننا لا نريد حماية إسرائيل.
كانت "حالة" تلك المطالعة تتفاوت في حدتها تبعاً لصاحب ذلك الكلام، إذا كان من الآخرين أو الأغيار، أي من الذين لم يكونوا جزءاً من النسيج المعروف ومن أهل الخط الموصوف، تلقى رداً يضعه مباشرة في خانة العدو مع وقف التنفيذ. وإذا كان من أهل الصف المذكور قصداً أو عرضاً، تلقى درساً تثقيفياً لإفهامه أن موجبات الوصول إلى فيتنام لا تحتمل العرج على الطريق.. وإدخال الجيش إلى الجنوب بعد تحريره هو قمة ذلك العرج، وأن موجبات النزاع مع إسرائيل (يا رفيق يا رقيق) تستدعي إبقاء الفتيل مهيأ للإشتعال، وإبقاء الأعداء على الجانب الآخر من الحدود منشغلين بالحزوّرة المعهودة عن ماذا سنفعل، وما هي خطوتنا التالية.
بل أن الأمر، كان نوعاً من مضبطة إتهام في حق كثيرين. فيها أدلة واضحة لا تُحاجج إلى سوء نياتهم ونوازعها الشريرات.. وأتذكر أن أحدهم (بيّاع التماسيح) بنى جزءاً من درعه السلطوي على خبرية كاذبة تتعلق بذلك المعطى تحديداً، وهو قال بعد العام 2005 ما مفاده أن المطالبين بدخول الجيش إلى الجنوب انما يريدون حماية إسرائيل وليس أهل المنطقة الحدودية.
..بقيت تلك النظرية قائمة إلى أن قعدت الحرب في أحضاننا. ودارت أيام تموز من العام 2006 كامل دورتها وأطل بعدها آب اللهاب وخرج القرار 1701 الذي قضى في سياق ما قضى، بإدخال 15 ألف جندي لبناني مع 15 ألف جندي دولي الى المنطقة.
طول الفترة الممتدة من لحظة حصول ذلك الانتشار إلى اليوم عاش أهل الجنوب أطول فترة هدوء في تاريخ النزاع مع إسرائيل، تمكنوا فيها من إعادة إعمار بيوتهم وأرزاقهم وأنفاسهم ورؤاهم. وعلى حد علمي وعلم الآخرين، فإنهم في الإجمال، ومن دون استثناءات تذكر، لا زالوا على قناعاتهم ورباطهم وايمانهم ومشاعرهم وسياساتهم حيال إسرائيل ومشروعها اللصوصي. بل زادتهم السنوات الأربع الماضية يقيناً فوق يقين بذلك، وبأن التهديد الأخطر عليهم وعلى أولادهم وأرزاقهم ومستقبلهم وزيتوناتهم ودخّانهم واقتصادهم وشعرهم وأدبهم وكينونتهم على العموم، ذلك التهديد انما مصدره الأول إسرائيل ولا أحد آخر.
لم تغيّر في قناعاتهم عودة جيشهم الوطني إلى منطقته وأرضه وحدود بلاده.
كما لم تُغيّر في تلك القناعات دوريات "اليونيفيل" ولا تمارينها.. بل الحاصل الفاصل هو أن الإسرائيليين دون غيرهم يبدون الأكثر تبرماً من حالة الهدوء المتفشية جنوباً، والأكثر تضايقاً من تقليص مساحة ملاعب تمارينهم الحربية، والأكثر نرفزة من احتمال "تعوّد" الجنوبيين على العيش والتفكير بالغد بهدوء وروية ورفعة حال. ولذلك يعمدون دائماً إلى التذكير ميدانياً وسياسياً وإعلامياً بـ"الحالة" الأولى التي امتدت منذ ما قبل العام 1948 حتى آب 2006.
تمر هذه الخواطر وفي محاذاتها تمر أمنيات صادقات بأن يكون الإسرائيلي هو فعلاً المتضايق الوحيد من انتشار الجيش و"اليونيفيل" في الجنوب، ومن "تعوّد" الجنوبيين على الحياة.. علماً انها تمرّ أيضاً فوق قلق ثقيل حيال استمرار اعتماد تلك المساحة، وحدها دون مساحات التماس الأخرى في دول الطوق، كمحطة وحيدة لقطارات الآخرين، وكمتنفس وحيد بديل عن ضيق صدورهم في أماكن أخرى.