تسببت الازمة الاخيرة مع "اليونيفيل" والتي "يفترض" أن تكون صفحتها قد طويت، بمفاعيل سجالية داخلية، موازية تماما للمفاعيل اللبنانية – الدولية من آخر ظواهرها صعود الحساسية العونية – القواتية بموازاة خطاب "التحريض" و"التخوين" فضلا عن ملامح موجة "ذعر" بعضها يستند الى عوامل واقعية مبررة وبعضها الآخر يبدو على كثير من افتعال مقصود.
في كل هذه المعمعة سيتعين على لبنان الرسمي والعسكري بالدرجة الاولى ان يمتص سريعا المفاعيل الجادة السلبية للأزمة في ضوء حصيلة تكشف تكرارا التوازن الهش الذي يحكمه بين عوامل خارجية لا تزال حتى اشعار آخر السند الاساسي للتسوية السياسية الداخلية التي تضمن استمرار الاستقرار الراهن، ولو على درجة عالية من الحذر والشكوك، في مقابل كل العوامل الخطرة التي تتجمع عند مفترق ما يسمى خريف الاستحقاقات المثير للمخاوف. وفي هذا السياق يتعين على القوى الداخلية قاطبة ان تأخذ منحى الازمة الاخيرة بغير المنظار الذي ساد في الاسبوع الماضي لان استسهال تصعيد أزمة كهذه للتمريك او تسجيل النقاط او تصفية الحسابات، على استحالة "التصفية" في تركيبة كالتي يتكون منها الوضع الراهن، يعرض مجمل المنخرطين في ملهاة تقليدية كهذه، لئلا يقال نعت أسوأ من هذا للقصور الفاضح في قراءة ما حصل وما قد يحصل لاحقا.
فخسارة نسبة ثلاثين في المئة من الحجوزات السياحية اذا صحت كعنوان حصري لحصيلة الازمة مع "اليونيفيل" على كونها مؤشرا شديد السلبية قد تغدو أهون الشرور لا بل كلفة "متواضعة" حين تقاس بالظروف المفزعة لما كان يمكن دفعه من أثمان أضخم وأكبر لو لم تكشف خواتيم هذه الازمة جانبا لعله الجانب الايجابي اليتيم والوحيد في هذا الاختبار وهو ان التسوية اللبنانية الراهنة لا تزال مرعية من خارج بل من "خوارج" عدة قوية ومؤثرة، ولم يحن أوان "التسليم" بتقويضها هذا في حال كان هناك خطر فعلي لتقويضها في زمن آت. لا بل ان حلول الذكرى الرابعة لحرب تموز 2006 اليوم، غداة هذه الازمة، وان كان ذلك في ذاته يرسم علامات استفهام اضافية حول هذا التزامن، يثبت ان الستاتيكو الجنوبي لا يزال يحمل معظم الدوافع والعوامل اللبنانية والاقليمية والدولية التي ساهمت في جعل القرار 1701 حاجة "أممية" ترعى الهدنة اللبنانية والاقليمية عبر الجنوب والحدود مع اسرائيل، ولو ان أربع سنوات من عمر هذا القرار لم ترقَ بتنفيذه بعد من وقف الاعمال القتالية الى وقف نار دائم يوازي اتفاق الهدنة.
الازمة مع "اليونيفيل" على مشارف الذكرى الرابعة للحرب بلغت في بعض انفعالاتها حد اثارة الذعر من الاحتمالات الحربية الجديدة. ومع ذلك فان شبكة الاجراءات والمواقف العلنية والمضمرة لسائر أطراف هذه الازمة، وصولا الى بيان مجلس الامن، تكشف بوضوح ان الطابع الاختباري الخطر لهذه الازمة لم يصل الى مستوى تقويض الستاتيكو في الجنوب. وفي المقابل فان المضاعفات الداخلية التي ايقظت القراءات المتناقضة للقرار 1701 و"قواعد الاشتباك" لم تصل في النهاية الى حد تهديد جدي للستاتيكو الداخلي، وهو أمر يفترض ان يقاس نسبيا بالمقارنة مع حالة الانقسام العمودي القائمة دوما حيال مسألة السلاح وقرار الحرب والسلم ومسألة "الجيش والشعب والمقاومة" وحصرية الدولة وآحاديتها.
وربما غاب عن بال كثيرين في هذا السياق انه على رغم الانتكاسة الكبيرة التي أبرزتها هذه الازمة بين لبنان الرسمي والعسكري و"اليونيفيل" فانها لم تسقط اطلاقا مسارعة كل من لبنان ومجلس الامن الى اتخاذ كل ما يلزم من الاجراءات لحماية "الستاتيكو" الجنوبي وتعويمه. اما التوظيف الاسرائيلي للأزمة فجاء من المقلب الدعائي والنفسي للمساهمة في تقويض الاقتصاد اكثر منه كمؤشر على حرب وشيكة اذ تعمدت الدعاية الاسرائيلية الضرب على وتر التخويف وتعميم الذعر لزيادة تعميق الانقسامات اللبنانية من جهة وتعميم الاضرار السياحية والاقتصادية من جهة أخرى. وهذا وحده كاف ليدفع الرؤوس الحامية المستسهلة لكلام التحريض والتخوين في الداخل نحو احتواء هذه الآفة المدمرة.