يراهن البعض في لبنان، وخصوصاً اولئك الذين يعلنون «غرامهم» وتعلّقهم بالجيش اللبناني، على ان ذاكرة اللبنانين ضعيفة، ولا تختزن الا ما تراه وتسمعه في الحاضر، وتسدل ستارا سميكاً من النسيان على احداث حصلت في الماضي، حتى ولو كانت قريبة نسبياً وفوّتت على لبنان اكثر من فرصة لتفادي الدمار والخراب والحروب التي فتكت بارواح عشرات الالوف من ابنائه، وفات هذا البعض انه اذا كان الله يمهل ولا يهمل، فان الذاكرة ايضا تتناسى ولاتنسى، وعندما يحين الوقت المناسب، تفتح هذه الذاكرة صفحاتها المغلقة لتسجل من جديد ما ارتكبه هؤلاء في حق بلدهم واهلهم.
من الذاكرة، نوقظ احداثاً حصلت تقريباً في منتصف التسعينات من القرن الماضي، عندما اتهم رئيس الجمهورية يومها المرحوم الياس الهراوي، ورئيس الحكومة الشهيد رفيق الحريري، بالتآمر على المقاومة والاستسلام لرغبة الغرب واسرائيل، لانهما قررا ارسال الجيش الى الجنوب، لحماية الارض والناس، وخرجت اصوات تقول يومها، وكررها منذ مدة رئيس الجمهورية السابق اميل لحود، وكان قائداً للجيش وقتها، وتباهى بانه رفض تنفيذ اوامر السلطة السياسية، ان الجيش في الجنوب سيكون حامياً لاسرائيل!!!
ومن الذاكرة ايضاً، انه بعد التحرير في العام2000 وانسحاب الجيش الاسرائيلي تحت ضغط المقاومة، لم يسمح للجيش بالتوجه الى الجنوب، سندا للحجة اياها، بان تواجد الجيش هناك، ووصوله الى الحدود مع فلسطين المحتلة ستكون مهمته عندها حماية اسرائيل، ولم يسمح له الا باعداد رمزية وفي مناطق داخلية محددة، اضافة الى بعض قوى الامن الداخلي، وكل هؤلاء كانوا تحت مظلّة المقاومة وحمايتها ويلتزمون بما تقرره.
هذان الامران، واقع مثبت لا يمكن لاحد ان ينقضه او يتناساه، ومعهما يصبح السؤال ضرورياً وشرعياً، حول مدى نسبة تفادي لبنان احداثاً وخسائر مؤلمة جداً في التسعينات، وفي حرب تموز في العام 2006، لو سمح للدولة اللبنانية بان تدخل بقواها المسلحة في تلك الايام، وبدعم ومساعدة اكبر واشمل من قوات الطوارئ، وقد يقول البعض كرّد كلاسيكي اصبح معروفاً، ان اسرائيل دولة عدوانية، وقد تعتدي على لبنان بحجة وبدون حجّة، وبوجود الجيش او عدم وجوده، وهذا صحيح من حيث المبدأ، ولكن الذين منعوا الدولة والجيش من القيام بواجباتهما الوطنية، حرموا الجنوبيين خصوصاً واللبنانيين عموماً من امكانية تفادي حرب او اجتياحات، حتى ولو كانت نسبة الامكانية متوسطة او قليلة او متواضعة، خصوصاً ان هذا المنطق التشاؤمي ينطبق ايضاً على ما حدث بعد حرب 2006، عندما فتحنا الجنوب امام الجيش وقوات الطوارئ، والذي كان مرفوضاً قبل 2006 اصبح مطلوباً بعدها، واكثر بحيث ان هناك حرصاً لدى المشككين بعمل بعض قوات الطوارئ، على وجوب ان تنسّق هذه القوات مع الجيش في كل شاردة وواردة، وفي اي تحرّك لها، فمن تغيّر في هذه الحالة، الجيش ام الذين كانوا يرفضونه؟
* * * * *
اما في العودة الى القرار الأممي رقم 1701، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات التي تشير الى ان القرار هذا لم يتم احترامه او التقيّد به، لا لبنانيا ولا اسرائيلياً ولا أممياً. فالقرار نصّ على نشر 15 ألف جندي من قوات الأمم المتحدة، على ان ينشر لبنان عدداً مماثلاً من جنوده، في حين ان عدد قوات القبّعات الزرق هو اليوم في حدود الـ 12 الف جندي، وعديد الجيش اللبناني مع القوة المؤمل ارسالها قريباً لن يتجاوز الـ9 آلاف جندي، ومن مصلحة لبنان ان يتم تنفيذ هذا البند مهما كان الثمن، والقرار كما هو معروف، وكما ورد في مقدمته، اتى بناء على طلب من الحكومة اللبنانية ولذلك فان مندرجات تنفيذ القرار 1701، يجب ان تتم بالتوافق مع الحكومة اللبنانية وحدها، وهذا الأمر لم يحترم أيضاً، والقرار اشار الى الخروقات التي يجب تفاديها ضماناً لحسن تنفيذه، فلا اسرائيل احترمت هذا النص، بخروقاتها واعتداءاتها شبه اليومية، ولا الجانب اللبناني غير الرسمي احترمه، ولا قوات الطوارئ تمكنت من وقف خروقات الطرفين، اما بالنسبة الى حركة قوات الطوارئ على الأرض في الجنوب فانها تختلف تماماً عمّا نصّ عليه القرار حين يقول: «… يأذن (مجلس الأمن) لقوى الأمم المتحدة الموقتة في لبنان، باتخاذ جميع ما يلزم من اجراءات في مناطق نشر قواتها، وكما ترى في حدود قدراتها، لكفالة الا تستخدم منطقة عملياتها للقيام بأنشطة معادية…».
ان إثارة المشاكل مع الطوارئ بين الحين والآخر، من قبل «الأهالي» او غيرهم، تتناقض مع هذا النص الصريح، واذا كانت قيادة الجيش قد توصلت الى حل حبّي على الطريقة اللبنانية للمشاكل القائمة، «فخير وبركة»، اما اذا تجدّدت التوترات مع القوات التي أتت الى حمايتنا وسقط منها العديد من الشهداء فقد يجد لبنان ذاته، في يوم ما، أسير عزلة دولية من جهة، وأسير قبضة خارجية من جهة ثانية، فيشرّع لبنان الساحة على كل ما يخطر في بال احد، من حروب وتمزّق ونزاعات، ويصبح مصير الوطن والشعب على كفّ العفاريت الذين لم يؤمنوا يوماً بلبنان الدولة، معتبرين انه دولة الصدفة وخطأ التاريخ.