العراق أفلت من هذه الكأس و"الأوبامية" أمام اختبار حقيقي في الأشهر المقبلة
استلام "الراديكاليين" للمركز خطر يتهدّد لبنان وأفغانستان
لا داعي لسرد الإختلافات البديهية بين الحال اللبنانية والحال الأفغانية. كذلك لا داعي لعرض الإختلافات العميقة بين الحال العراقية والحال الأفغانية مع أنّ البلدين تعرّضا للمحنة الإحتلاليّة تباعاً: منذ خريف 2001 بالنسبة إلى أفغانستان، ومنذ ربيع 2003 بالنسبة إلى العراق.
مع ذلك يمكن المجازفة بالقول أنّه إذا ما أستطاع التدبير المحليّ وغير المحلّي أن يبعد خطر التطرّف عن المركز في الحال العراقية، وأن يجفّف إلى حد بعيد مناخات الحرب الأهليّة، ويضعف الإرهاب العابر للحدود بإتجاه الرافدين، إلا أنّ العين الدوليّة ليس بمقدورها في المقابل إلا النظر بقلق وارتياب، إلى المسارات المرتبطة بالحالتين الأفغانية واللبنانية.
فما يجمع لبنان بأفغانستان حالياً، رغم العدد الكبير من الإختلافات البديهية، هو أنّ البلدين مهدّدان بأن تقوم قوى تعتبرها الدول الغربية "متطرّفة"، ويمكننا وصفها مداراة بـ"الراديكاليّة" بمغامرات تكون نتيجتها "إستلام المركز". هذا هو القاسم المشترك، وما يزيد سمته تلك هو طابعه "التزامنيّ"، في هذه اللحظة التاريخيّة بالذات، التي هي تعريفاً لحظة "المفترق" بين خيار يمكن أن يجد في رمزيّة الرئيس الأميركيّ باراك أوباما تشخيصاً له، وخيار يمكن أن يجد في الجنرال المخلوع ستانلي ماكريستال رمزيّة مضادة كبيرة له.
عند هذه العتبة يهدأ القاسم المشترك وتبرز الإختلافات. في أفغانستان الحرب دائرة منذ تسع سنوات، وهي أصلاً إمتداد تدويليّ "إمبرياليّ" للحرب الأهلية الأفغانية في آخر فصولها أي بين "تحالف الشمال" وحركة "طالبان". أعتمد أكثر من منظار إستراتيجي أميركيّ على إمتداد الأعوام التسعة، لكن الثابتة كانت دائماً السعي إلى خلق تمايز بين صنفين في "الطالبان"، أحدهما يمكن إشراك فلوله في هندسة البلد وثانيهما يجري العمل على إستئصاله. وفي المقابل كان هناك دائماً سبب إستراتيجي أساسي للإخفاق وهو أنّ طالبان حركة عابرة للحدود، ومشكلتها استفحلت مع الأعوام في منطقة القبائل الباكستانية، بل أن طالبان المتواجدة في منطقة القبائل هي الأكثر قرباً وإحتضاناً لتنظيم "القاعدة". ويضاف إلى ذلك اختلاف المعنيين الأميركيين والغربيين بالشأن الأفغاني في تقدير الأهمية التي ينبغي إعطاؤها لمكافحة الفساد في سلطة كرزاي ولمكافحة زراعة وتجارة المخدرات.
في الحال الأفغانية أجبر الرئيس أوباما على العدول عن وعوده وروزناماته الإنسحابيّة التي خاض على أساسها الإنتخابات الرئاسية. هو أقسم اليمين بـ34 ألف جندي أميركي على الأرض الأفغانيّة، لكنّه ومن بعد ممانعة، وافق على الزيادات في العدد الى الحد الذي سيبلغ مع الزيادة الأخيرة المئة ألف جندي أميركي. في المقابل، فإن التوتّر بين المؤسسة العسكرية ورئاسة أوباما، بدأ يولّد مفاعيل كرة ثلج بعد عزل أوباما للجنرال ماكريستال، وبعد محاولته "زجّ" الجنرال بترايوس في المستنقع الأفغاني، تجفيفاً للرصيد الذي حقّقه الأخير في العراق.
وضع لبنان مختلف، ولو أنّه، في خطر استلام الراديكاليين للوضع هو خطر ماثل، ومتزامن، بل ومتعادل، إنّما بأشكال مختلفة في البلدين. ففي لبنان، لا يمكن التفكير لا بـ"استئصال" التطرّف، ولا بـ"تقسيمه" إلى قسمين "ممكن التعامل معه" و"غير ممكن التعامل معه". في لبنان، يدخل الراديكاليّون في شراكة حكوميّة مع المعتدلين، ويجامل المعتدلون الراديكاليّين في الكثير من طروحاتهم. وفي لبنان، فإن الحرب الأهلية توقّفت بتسوية سياسية ثم بحسم عسكريّ ناقض التسوية السياسيّة التي استند إليها.. كان هذا قبل عشرين عاماً. أمّا الحرب الإقليميّة فعلّقت منذ أربع سنوات، إلا أنّ صكّ تعليقها يتمّ إستنزافه إلى درجة استدعت "أسفاً قوياً" من المجتمع الدوليّ. إلى ذلك، فإن الحرب الأهلية مستمرّة من جانب واحد، أي من خلال إستمرار إحتكار فريق واحد من فرقاء الحرب الأهلية (بل الفريق المولود تماماً من رحم الحرب الأهلية) للسلاح وتضخّم هذا السلاح، فضلاً عن تصاعد نزعة الجنوح والتشدّد حيال الداخل لدى هذا الفريق بعد الحرب الإقليميّة الماضية، ويضاف القلق العلنيّ – الترهيبيّ الذي يبديه هذا الفريق تجاه إستحقاقات مرتبطة بالقانون الدوليّ.. هي كلّها عناوين قد تؤدي إلى إندفاعة لدى هذا الفريق لـ"استلام الوضع" بشكل نوعيّ في المرحلة الراهنة، وما يحدث جنوباً لا يمكن إخراجه عن هذا السياق، وقد يكون "استلام الوضع" عشية أو إبان أو بعيد أي انفجار حربيّ على الصعيد الإقليميّ.
وهكذا، فإذا نجح العراق في نهاية الأمر في إضعاف التطرّف، خصوصاً وأنّ التطرّف اعتمد في حالته على "تصدير خارجيّ" واسع النطاق، فإنّ الحالة مختلفة في أفغانستان ولبنان، وربّما كانت الأشهر المقبلة "إختبارية" بإمتياز في هذا السياق، و"إختباريّة" بالدرجة الأولى بالنسبة إلى مستقبل النظرة الأوبامية إلى السياسة الدوليّة، وبالنسبة إلى إمكان إرتداد الأمور رأساً على عقب إذا ما أضطرّت هذه النظرة إلى إجراء مراجعة جذريّة، ويمكن النظر إلى موعد الانتخابات النصفية الأميركية في تشرين الثاني القادم كإستحقاق مفصليّ في هذا السياق.
ثمة محور جديد للتوتّر ستكون الأشهر المقبلة مسرحاً أكيداً له. يمكن تسميته محور كابول بيروت، الذي سيطغى على محور البرنامج النووي الإيرانيّ، لأنّه "المدخل" الفعليّ إليه.
ففي لبنان، قد تجد القوى الراديكالية نفسها "مضطرّة" لإستلام المركز، سواء لـ"التعجيل" أو لـ"إستباق" أو حتى، من منظارها، رغبة في "تفادي" نزاع إقليميّ، أو في أثنائه، أو بعيده. أما في أفغانستان فقد تجد القوى العالميّة نفسها "مضطرّة" لتسليم المركز، وهذه نتيجة حتميّة لأي تعثّر في العلاقة بين "المدنيين والعسكريين" في الإدارة الأميركيّة. بالضد من هذين الخطرين، ينبغي القراءة في مآل الوضع "المشترك" الأفغانيّ اللبنانيّ.