عند كل مفترق وأمام كل استحقاق تخرج جوقة "حزب الله" لتشير الى ان المحكمة الدولية واضعة معادلة واحدة، تخيّر اللبنانيين بموجبها بين السلم الاهلي والعدالة، وكأن العدالة يجب ان تكون دائما على النقيض مع السلم وان لا مكان لتحقيق الاثنين معا.
بمفهوم التناقضات يقود "حزب الله" الساحة الداخلية وعلى كل المستويات. فالمعادلة الاخرى التي يطرحها تضع السلاح مقابل الكرامة، وترى في تسليم السلاح للشرعية او في كل المخارج لتسلم الدولة زمام الامور في ملف السلم والحرب انتقاصا من كرامة اللبنانيين وكأن كرامة اللبناني لا تكون الا في فوضى السلاح وفي تدخل "أهل المونة" من دمشق الى ايران الولي الفقيه.
بمقارنة بسيطة يمكن رسم خطين متوازيين واسلوبين متناقضين بين قضيتين، فالرئيس الشهيد رفيق الحريري اغتيل في بيروت فكان قرار "قريطم" السير في خيار المحكمة الدولية وجاءت المصادقة على ذلك من القاعدة الجماهيرية الحاضنة لأن فيه تحقيق العدالة بوجهها الحقيقي من جهة، ولأن رفيق الحريري وكل من سقطوا بعده شهداء الاغتيال السياسي يستحقون هذا القدر العالي من الاهتمام الذي يليق بشهادتهم.
في المقلب الآخر، اغتيل عماد مغنية القيادي البارز و"الدماغ" المهندس لكل المهام الصعبة في "حزب الله"، فكان القرار ان الأخذ بالثأر والانتقام سيكونان "في الزمان والمكان المناسبين"، غير الموجودين إلا في بيانات الحزب وقوى الممانعة.
بين اسلوبين ينحاز اولهما الى المجتمع الدولي ويرتضي قراره، ويتجه الثاني الى الاسلوب القبلي ليحقق العدالة التي يرتضيها هو دون الآخرين، تبدو المقارنة غير جائزة. فالجانب الاول يحظى باحترام وتقدير كل الدوائر العالمية والدولية بينما الطرف الثاني منبوذ لا تعترف به سوى دول لا يتعدى عددها اصابع اليد الواحدة الى جانب بعض كبار تجار المخدرات في البقاع وجنوب اميركا.
ومع التسليم جدلا بمسؤولية "العدو" عن اغتيال الشخصيتين البارزتين وعلى افتراض ان الجهة المنفذة واحدة، فالتفكير في اسلوب المحاسبة مختلف، بين خيار يرى في المحاسبة امام عيون العالم أجمع سبيلا مثاليا لمنع الاغتيال السياسي، وتوجه لا يعترف الا بنفسه ويتخذ حكمه المبرم بمعاقبة القاتل بشكل منفرد.
السيئ وغير المقبول ان يعاود "حزب الله" التهديد بفرض شروطه وقواعده على المجتمع اللبناني الذي يثبت المرة تلو الاخرى، وبالاساليب الديمقراطية، انه يعارض سياسات الحزب ولا يتبناها. وبالتالي فمن الضروري هنا تأكيد اهمية ثبات القاعدة الجماهيرية لقوى "14 آذار" في مواقعها وعند قناعاتها، لا سيما في هذه المرحلة التي تكتسب اهمية كبرى وتضع لبنان عند اكثر من اختبار.
بالنسبة لـ"حزب الله" الامم المتحدة العوبة بيد اسرائيل والولايات المتحدة، واليونيفيل حارس لأمن اسرائيل، وتيري رود لارسن غير ذي صدقية، وجيفري فيلتمان محرّض ورأس الفتنة، واليوم يسعى "الحزب" جاهدا لإضافة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الى هذه المنظومة مما يسميه "ادوات دولية في خدمة المشروع الصهيوني في المنطقة"، والكلام الصادر عن الماكينة الدعائية لـ"حزب الله" بكل مندرجاتها، من اعلاميين وكتّاب الى سياسيين حاليين وسابقين، لا يوحي بغير ذلك.