#adsense

تموز

حجم الخط

الذكرى الخامسة لحرب تموز 2006 يا أخوان، مرّت بأقل قدر من الإحياء والتذكّر، وغابت المطالعات المعهودة في مثل هذا اليوم، وهذا أمر يلفت النظر..
ولأن المقام جلل ولا يحتمل ثقل الدم، والمناسبة مؤلمة رغم امتعاض البعض من هذا الوصف، ولأن ملابسات تلك الحرب لا زالت الى اليوم تُعالج بالتي هي أستر، ولأن التعويضات للمتضررين لم تنته بعد، ولأن إعادة إعمار القرى والبلدات والمدن الجنوبية والبقاعية التي تهدّمت وتضررت لم تستكمل تماماً، ولأن مئات العائلات المنكوبة تستذكر في هذه الأيام الأحباء وفلذات الأكباد وأضلع الصدور التي تهشّمت وراحت تحت وطأة الإجرام الإسرائيلي، ولأن مشاعر بعض تلك العائلات تشبه الاستحالة وروايات الخيال.. لكل ذلك ولغيره ينزوي الكلام تحت خيمة التورية، وتستعيد هذه مفردات الوجل والخجل لإفساح المجال أمام بعض الملاحظات وليس أكثر!

وإلى كل ذلك يُضاف، بأننا نلهج من جديد بروايات وخبريات وسوالف محلية ومستوردة تحكي كثيراً عن موقعة أخرى آتية، وتتفاوت لتستقر أخيراً عند عدم توقع حصولها هذا العام على الأرجح لأسباب عدة في مقدمها الموقف الأميركي اللاجم لاندفاع المجانين في إسرائيل، وفي أوسطها حسابات ميدانية تستبعد حسماً عسكرياً وتقرّب أكلافاً باهظات متبادلة، وفي آخرها حسابات سياسية متبادلة ومتشعبة محلية وإقليمية تجعلنا في آخر المطاف مطمئنين مرحلياً الى ثباتنا حيث نحن.

غير أن ذلك كله، وفي مجمله وأوله وآخره، لا يمنع الإشارة الى أن حرب تموز المذكورة أنتجت أداء كارثياً ضرب في النسيج الوطني اللبناني أكثر مما ضربته تلك الحرب، وأصحاب الشأن في الإجمال يعرفون ماذا كانوا يفعلون، والبعض من أهل النيّات الداشرات على حقول التحليل يقول بأن حفلات الردح التي تلت تلك الحرب وطاولت كرامات سائر خلق الله من اللبنانيين إنما كانت أداءً مقصوداً لمنع الأسئلة الحسابية الصعبة من الفيضان ولمحاولة كسر المسار الذي ظهر غداة جريمة 14 شباط 2005 وسمح بفتح الأبواب المغلقة أمام الجهر بأشياء كثيرة أهمها وضع مصلحة لبنان واللبنانيين قبل مصالح الآخرين.

وكثيرون بهذا المعنى أصابهم ضيم لا يشفى من ذلك الأداء الهارب من مصيبة الى أخرى أوجع وأمرّ. أداء إفترض ولا يزال أن الإجماع الوطني كذبة موصوفة ومرصوفة بعسل الكلام، وأن الصحيح والأصح هو أن المقاومين أقوياء بما يكفي لمواجهة إسرائيل ومن يقف خلفها فيما ظهرهم مسنود الى حرب أهلية باردة؟!
في إسرائيبل أقاموا الدنيا على القيادات الضحلة سياسياً وعسكرياً التي ورطتهم في شعارات وأهداف مستحيلات، ودفعوا بتلك الوجوه الى المتحف عقاباً لها على ما اقترفته، وشكّلوا لجنة تحقيق في كل شاردة وواردة على كل المستويات، ثم ذهبوا الى انتخابات عامة وخرجوا بحكومة مختلطة بدأت منذ اللحظة الأولى في الانكباب على تحضير الحرب الآتية.

.. عندنا صار العكس تماماً (إنسَ التحقيق والمحاسبة والأسئلة وأخواتها) بدلاً من البناء على مظاهر التمام اللبنانيين على بعضهم البعض في طول لبنان وعرضه، واستثمار مظاهر تلقف النازحين في البيوت والمدارس والكنائس في كل قرية وبلدة ومدينة كانت بعيدة عن الحرب، من أجل بلورة موقف سياسي وطني جامع يلغي ما أمكن من انقسامات تشظّت غداة جريمة 14 شباط، بدلاً من ذلك انطلق خطاب التمييز والتوتير والاتهام والتخوين على غاربه وسَرَح ووصل الى 7 أيار وما بعد 7 أيار، وما أدراك ما 7 أيار!

في البال أرطال من الأمثلة والتفاصيل لكنها في مجملها تنحسر أمام سؤال وحيد يشبه الهاجس: كيف ستكون حالنا إذا اندلعت – لا سمح الله – حرب جديدة؟.. وأهم من يفترض أن "الدنيا" لم تتغير، وأملي الوحيد أن أكون من ضمن الموهومين، وأن أكون مخطئاً في افتراضاتي جداً كثيراً، والسلام.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل