#dfp #adsense

.. عن لبنان الذي يُراد له أن يبقى في «حالة حرب» !

حجم الخط

لا الحرب على الأبواب، كما بشرنا الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أخيراً، ولا هي مستبعدة بالكامل أو بعيدة في الزمن، كما يقول قادة اسرائيل في تهديداتهم شبه اليومية للبنان وسورية وإيران وتتحدث عنها الوقائع على الأرض.

في الوقت ذاته، لا السلام في المنطقة – وإذاً في لبنان – يلوح في الأفق، القريب أو البعيد، ولا هو كذلك مستحيل ويجب تالياً إسقاطه من الحساب، كما تفيد بعض التقديرات المحلية والعربية والدولية.

على رغم ذلك، لا يريد البعض في لبنان للشعب اللبناني إلا أن يعيش في حالة حرب دائمة: حرب في الداخل استعداداً لأخرى في الخارج وعلى الحدود، وحرب مع قوات الأمم المتحدة «اليونيفيل» بدعوى أنها تحاول أن تفعل ما لم تستطع اسرائيل فعله في عدوان العام 2006، وحرب على «المحكمة الخاصة للبنان» بذريعة أنها ربما وجهت اتهاماً (في المستقبل!) لأفراد من «حزب الله» في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وحرب على الحكومة والأجهزة الأمنية تحت عناوين تبدأ بعدم دعم «المقاومة» وتصل حد الاتهام بالتآمر عليها، وحرب على الدولة كلها… مرة لأنها لا تنفق بما يكفي لحل مشاكل الناس، وأخرى لأنها تزيد بما تنفقه من حجم الديون على البلد، وثالثة لأنها تعقد اتفاقات «مشبوهة» لتجهيز القوى العسكرية والأمنية وتدريبها، ورابعة لأنها – أي الدولة – لم تفرض حتى الآن سلطتها الكاملة على الأرض.

هكذا يكون قدر اللبنانيين أن يبقوا دائماً على «السلاح» («سلاح» التوتير لا التحرير هذه المرة) في انتظار ما قد يأتي يوماً ما وقد لا يأتي أبداً. وعلى عكس شعوب العالم، وشعوب المنطقة تحديداً، التي تمر في حالة مماثلة لكنها تعيش حياة طبيعية (يسميها البعض في المنطقة حالة طوارئ)، فعلى الشعب اللبناني أن يبقى الآن، طوعاً أو غصباً لا فارق، الاستثناء الوحيد عن القاعدة.

ولذلك، فالسؤال اللبناني اليومي لا يتمحور حول أمور الناس: رفع مستوى المعيشة مثلاً، أو حل مشكلة البطالة وهجرة الشباب الى الخارج، أو انهاء معضلة التيار الكهربائي المزمنة أو حتى ما هو أدنى من ذلك مثل تنظيم السير، وإنما هو: هل تنشب الحرب هذا الصيف أو بعد انتهائه على أبعد تقدير؟

والغريب في الأمر، أن هذه «الحروب» مفتعلة بغالبيتها إن لم يكن بعضها من دون أساس. ذلك أن المواطنين يعرفون أكثر من غيرهم أن الحكومة الحالية – «حكومة التوافق الوطني» – لم تر النور إلا بعد مخاض عسير، فضلاً عن أنها طوقت بشروط وقيود لا تزال تحول دون انطلاقتها العملية حتى الآن. ولأن «المحاربين» هؤلاء ممثلون في الحكومة، وقد شنوا «حرباً» أخرى من أجل ذلك، فمن الطبيعي أن يصبح السؤال ليس حول أحقية أو صحة الاتهامات التي يسوقونها ضدها وإنما حول أحقية أو صحة قيامهم بمجرد طرحها في العلن. «الحرب» على الحكومة، على افتراض وجود سبب أو مبرر لها، يجب أن تكون داخل الحكومة، وفي أثناء جلسات مجلس الوزراء، وليس في الشارع أو في الإعلام أو في مجالس التعزية التي يجرى استغلالها لهذه الغاية.

وإذا كانت اللعبة هنا تحاول أن تظهر بعض الذكاء (لا يشترك الوزراء بأشخاصهم في الحملة العلنية على الحكومة)، فهي بذلك تفضح نفسها أكثر مما تغطيها: تصمت عن النقاش داخل الحكومة وفي جلسات مجلس الوزراء، بينما توزع الاتهامات يميناً ويساراً وفي شكل شبه يومي في الإعلام والتصريحات وخطب المناسبات ومجالس التعزية بين الناس.

… هي حرب على الحكومة، من دون الدخول في تفاصيل مروحة واسعة من الاتهامات التي توجهها ضدها، أولاً لإبقاء البلد والشعب في حالة حرب، وثانياً في انتظار «حدث» في المنطقة – أو في لبنان ذاته؟! – يفسح في المجال لاحتمالات لا يكتم «المحاربون» الجهر بها.

كذلك هو الحال بالنسبة الى الحرب على قوات «اليونيفيل» في الجنوب (20 اعتداء في أسبوعين، بحسب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في بيروت)، ليخرج رئيس مجلس النواب نبيه بري بعدها ويقول ان لا دوافع سياسية وراءها. ماذا اذاً وراءها؟ مجرد اعتداء وتحطيم آليات وجرح أفراد من القوات الدولية ومنعها من أداء واجبها – كما تراه – في رعاية تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701.

وماذا بعد ذلك؟ نعتدي عليهم، ونطالب في الوقت نفسه ببقائهم. نضربهم، ونعلن أننا نتمسك بوجودهم بيننا. نمنعهم من تنفيذ مهمتهم، ونتهمهم – أو بعضهم على الأقل – بالتجسس علينا والعمل لحساب اسرائيل، ثم نعمد الى عقد «مصالحة» عشائرية معهم!

والقرار 1701، لمن لا يعرف من «أهالي» القرى الذين ألصق بهم الاعتداء على «اليونيفيل»، صدر بطلب من الحكومة اللبنانية (بموافقة «الأهالي» هؤلاء) من أجل حماية هذه القرى بالذات من الاعتداءات الاسرائيلية، بقدر ما هو انتداب القوات وتشكيلها من ضباط وجنود الكثير من دول العالم من أجل هذه الغاية.

… لكنها الحرب مرة أخرى. ضد العالم كله هنا، بل وضد قرار اتخذه مجلس الأمن ثم عمد الى تنفيذه – على قلة القرارات التي ينفذها – بضباط وجنود من معظم بلدان العالم. والهدف هو هو: إبقاء لبنان واللبنانيين في حالة حرب دائمة.

كذلك هو الحال في ما يتعلق بالحرب على «المحكمة الخاصة للبنان»، واختراع سيناريوات ليس حول القرار الظني المتوقع أن تصدره فقط، بل حول ما سيؤدي اليه ذلك من ردود فعل في لبنان … أقله 7 أيار (مايو) أخرى، بل أشمل وأعم وأشد وطأة، بحسب ما يقال سراً وفي العلن.

والأكثر جلاء في هذا المجال ما يسمعه اللبنانيون في الاذاعات ومن على شاشات التلفزة، وما يقرأونه في الصحف، عن حرب طائفية من ناحية وفتنة سنية – شيعية من ناحية أخرى يجد اللبنانيون أنفسهم بعدهما أمام خيار واحد لا غير: استجداء القوات السورية للعودة مجدداً الى لبنان من أجل انهاء الحرب الأهلية ووقف الفتنة المذهبية.

والأنكى من ذلك كله، أن سيناريو القرار الظني هذا يتحدث عن امكان اتهام أفراد من «حزب الله»، وأن 7 أيار ذاته قام به الحزب علناً وبقرار من قيادته، بيد أن الحزب لم يقل كلمة واحدة حتى الآن عن السيناريوات المشار اليها، ولا عن أجهزة الإعلام التي تشيعها، ولا حتى عن التوقعات والتحليلات التي يرددها سياسيون وصحافيون محسوبون عليه.

… وهي الحرب مرة أخرى، في الداخل والخارج على السواء، والهدف منها لا يخرج عما هو مرسوم ويجرى تنفيذه على الأرض يوماً بيوم، بل ولحظة بلحظة: إبقاء لبنان واللبنانيين في حالة حرب دائمة!

يتفق علماء الاجتماع على أن أجواء ما قبل نشوب الحرب، بتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أسوأ وأشد هولاً من مسارات الحرب نفسها.
وليس هناك من شك، في ظل ما يشهده اللبنانيون حالياً، في أن مثل هذه الأجواء هي ما يريد البعض في لبنان أن يحشروا لبنان كله بين فكيها القاتلين.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل