وجه منسق الأمانة العامة لقوى "14 آذار" الدكتور فارس سعيد كتابا مفتوحا إلى مسيحيي لبنان، دعاهم فيه إلى البقاء "أقوياء وسباقين"، كما كانوا في تاريخهم البعيد والقريب، بعدما قدموا أخيرا "صورا تتناقض مع شجاعتهم ورؤيتهم التقدمية"(لقراءة الكتاب إضغط هنا).
حسنا فعل فارس سعيد في كتابه المفتوح، إذ وضع اصبعه على الجرح، لأن الهواجس لا تبدد بتجاهلها وكبتها والقفز فوقها، إنما بإثارتها وتسليط الضوء عليها وفتح النقاش العقلاني حولها، بغية إخراجها من حقل المزايادات والمزايدين الذين يستغلون هذه الهواجس لاستخدامها في مشاريع فئوية وضيقة على قاعدة أن اللعب على غرائز الناس هو أسهل الطرق لنيل تعاطفهم وكسب تأييدهم.
كما أحسن سعيد في كتابه المفتوح باسترجاع المحطات المضيئة في التاريخ الحديث للمسيحيين اللبنانيين، من دورهم الطليعي في النهضة العربية ومواجهة التتريك وسعيهم لانشاء لبنان الكبير بالشراكة مع المسلمين إلى دفاعهم عن لبنان عندما انهارت الدولة اللبنانية وتوفيرهم التغطية اللازمة لولادة اتفاق الطائف ووقف الحرب الأهلية وقيادتهم مع اخوانهم المسلمين انتفاضة 14 آذار التي أخرجت الجيش السوري من لبنان والأهم أنها أعادت إحياء الميثاق الوطني على قواعد متينة وصلبة كونها أظهرت وحدة موقف وصف إسلامي مسيحي قل نظيرهما.
فالمشكلة بالنسبة إلى منسق الأمانة العامة أن المسيحيين انتقلوا بعد الطائف من موقع الفعل إلى موقع رد الفعل. وقد يكون تموضعهم "الدفاعي" مفهوما ومبررا نتيجة الأحداث التي رافقت نشوء الطائف والظروف التي حالت دون تطبيقه والحرب الأمنية – السياسية بعد العسكرية التي استكملت ضدهم. ولكن ما هو غير مفهوم الاستمرار بالسياسة نفسها بعد زوال العوامل التي أدت إلى اتباعها، بمعنى أن يتحول هذا السلوك الدفاعي لدى المسيحيين، الذي يفترض أساسا أن يكون موقتا واستثنائيا، إلى نهج سياسي ثابت وأصيل لدى شريحة معينة داخل هذه البيئة المسيحية.
وهذا النهج السياسي المستجد مخالف ومناقض لتاريخ المسيحيين وتجربتهم، حيث أن القاعدة لديهم كانت الانفتاح والمبادرة والفعل واختراق الآخر، بينما الانكفاء والانغلاق كانا مجرد استثناء تقطيعا لمرحلة صعبة كانت تستوجب اعتماد خيارات مماثلة حفاظا على هوية وتراث وأمانة ودور. ولكن ما أن تكاد تنجلي هذه الأوضاع حتى كانت تعود هذه الجماعة إلى خطها وسابق نهجها. ولو صدف تاريخيا أن تحولت الوحدة المسيحية هدفا متأصلا لهذه الجماعة لما كان بقي لها من أثر اليوم، لأن تقوقعها الذاتي كان سيؤدي لا محالة إلى ذوبانها التدريجي واضمحلالها مع الوقت، بينما جهدها تركز على جانب آخر مختلف تماما وهو البحث عن قواسم انسانية مشتركة للعيش معا بمعزل عن طائفة هذه الجماعة أو لون وعرق الجماعة الأخرى.
ولذلك، ما كان يصح في الماضي يجب أن ينسحب حكما على الحاضر والمستقبل لا العكس، خصوصا أن ما شكل استثنائا مسيحيا خاصا في ما مضى بات مطلبا عاما وحاجة عالمية في الدعوة إلى الحوار والتواصل والانفتاح والتسامح ونبذ العنف وإعلاء ثقافة الاعتدال واحترام الرأي الآخر وتشجيع التنوع والتعدد والمساءلة والمحاسبة. ولكن المشكلة أن بعضا من المسيحيين لم يستوعب بعد معنى التحول الإسلامي الذي حدث مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانتفاضة الاستقلال، وعوضا عن استفادتهم من هذا التحول باتجاه تطوير الصيغة التعاقدية بين اللبنانيين راحوا يبحثون عن السبل الآيلة إلى تأبيدها. ولم يكتف هذا البعض بالمزايدة المسيحية إنما أبرم تحالفا مع "حزب الله" مدعيا بأن مصلحة المسيحيين تكمن في التحالف مع الشيعة لا مع السنة، علما بأن مصلحة المسيحيين هي في التحالف مع الاعتدال في كل الطوائف. فالتحالف مع "تيار المستقبل" مرده إلى اعتماده خيارات تنسجم مع ثوابت المسيحيين بخلاف خيارات "حزب الله" التي تتناقض مع هذه الثوابت.
والمستغرب أن بعضا من مسيحيي "14 آذار" اعتبر بأن وحدة الصف المسيحي في رفض خفض سن الاقتراع وإلغاء الطائفية السياسية ومنح اللاجئين الفلسطينيين حقوقهم الانسانية والمطالبة بتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية هي بمثابة انجاز تاريخي و"نعمة إلهية" يفترض تكريسها وتثبيتها وتعميمها، ولكن السؤال البديهي الذي يطرح نفسه في هذا المجال: من قال إن الوحدة المسيحية لا تستتبع وحدة إسلامية؟ ومن أعطى المسيحيين حق التوحد ولم يمنحه للمسلمين؟ وهل المطلوب توحد المسيحيين في مواجهة وحدة المسلمين أي عودة الانقسام الطائفي إلى سابق عهده؟ وهل توحد المسيحيين هو الذي حال دون خفض سن الاقتراع وإلغاء الطائفية السياسية وإقرار اقتراح النائب وليد جنبلاط أم أن تفهم المسلمون لهواجس المسيحيين هو الذي أفضى إلى تأجيل البحث في هذه الاقتراحات وبتها؟ وهل المطلوب تحويل الهواجس من طائفية إلى وطنية أم إبقائها داخل المربعات الطائفية؟ وهل بات التفاهم مع التيار الوطني الحر على قضايا ثانوية أبدى من التفاهم مع تيار المستقبل على قضايا رئيسة؟ وهل المشكلة اليوم في لبنان هي مشكلة خفض سن اقتراع وحقوق انسانية أم سلاح غير شرعي يستبيح السيادة اللبنانية ويهدد أمن وسلامة المسيحيين والمسلمين في آن واحد ويدفع بهما إلى الهجرة من لبنان؟
أي مقاربة لأي ملف وطني من زاوية أو نظرة مسيحية تضر بالمسيحيين. ويكفي في هذا السياق متابعة مواقف رئيس أكبر تيار إسلامي في لبنان أي رئيس الحكومة سعد الحريري الذي تحولت معه الشراكة والمناصفة إلى ثابتة من ثوابت خطاباته السياسية، والعبور إلى الدولة هدف أساسي من أهدافه الوطنية، بينما كل مواقف السيد حسن نصرالله تصب في مشروع الدويلة لا الدولة، وخطواته تزيد من ضعف الدولة وتقوية الدويلة. لا يوجد أولولية اليوم في لبنان تفوق أولوية سلاح "حزب الله"، لأن هذا السلاح سيستجلب على لبنان واللبنانيين أخطارا هم بغنى عنها وحروبا يرفضونها وويلات عليهم القيام بالمستحيل لتجنبها.
لعل أي اتفاق مع النائب ميشال عون بشأن أي قضية خارج مسألة سلاح "حزب الله" تصب في مصلحته، وهي نوع من هدية مجانية له سيستفيد منها لإعادة لملمة أوضاعه المتداعية عبر إقناع أنصاره والرأي العام المسيحي بأنه كان محقا بتفاهمه مع "حزب الله"، لأن سلاح هذا الحزب مسألة إقليمية أكثر منها محلية، وأن دعواته إلى معالجة كل القضايا الأخرى بمعزل عن السلاح أثبتت صوابيتها. وعليه، أي التقاء مع عون على عناوين فرعية يخدم التيار والحزب وينعكس سلبا على مشروع الدولة وأهداف "14 آذار".
ومن ثم، ما الحكمة من النظر إلى خفض سن الاقتراع من زاوية ديموغرافية وليس وطنية؟ ألم تكن النسبة الأكبر من الذين توافدوا إلى ساحة الحرية هي من فئة ما دون الـ21 عاما؟ وبماذا نبرر للشباب المسلم في "14 آذار" رفض تخفيض سن الاقتراع، هؤلاء الشباب الذين شكلوا ولا يزالون رأس حربة في مواجهة سوريا و"حزب الله" ومخططاتهما؟ وبعد، لماذا هذا الرفض التلقائي من دون، على سبيل المثال، ربط الإصلاحات الدستورية بقدرة الدولة على تطبيق الدستور، أو إجراء استفتاء شعبي تبيانا لعامل الوعي السياسي للفئة العمرية التي تتراوح ما بين 18 و21 عاما، أو الاستفادة من تجارب الدول الغربية تخفيضا لسن الـ18 أو تثبيتا لسن الـ20؟
وفي موضوع حقوق اللاجئين الفلسطينيين، هل تناسينا موقف النائب سليمان فرنجيه، وهو بالمناسبة لا يعبر عن قناعاته الشخصية إنما عن إرادة سوريا و"حزب الله"، هذا النائب الذي صرح مرارا باستحالة البحث في سلاح "حزب الله" قبل نزع السلاح الفلسطيني، ومعلوم موقف سوريا الرافض تطبيق بند الحوار الوطني بنزع سلاح المنظمات الفلسطينية التابعة لها بغية إبقاء لبنان في دوامة السلاح إلى ما لا نهاية. وهل من أحد يجهل بعد الدوافع الكامنة وراء الأطراف التي تستخدم فزاعة التوطين ولأي أهداف؟ وهل المشكلة اليوم في لبنان هي فلسطينية أم حزب الهية؟ وهل الموضوع الفلسطيني اليوم يمثل مشكلة للمسيحيين أم للسوريين والثنائية الحزبية الشيعية الذين عملوا على استكمال "التصفية" الإسرائيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية؟ وهل "العمالة" الفلسطينية مرشحة لمنافسة المسيحيين أم السوريين؟ وهل يجوز في القرن الواحد والعشرين التغاضي عن حقوق انسانية بديهية يفترض بكل مواطن الاستحصال عليها؟ وهل استمرارهم بالبؤس والتعتير الذين هم فيهما يساهم في حل قضيتهم العادلة أم يساهم في دفعهم نحو خيارات انتحارية تنعكس على قضيتهم وعلى لبنان في آن معا؟ وهل من يجهل أيضا بأن المطلوب إبقاء المخيمات بؤر تفجيرية للساحة اللبنانية؟ وهل يجوز أخيرا المقايضة بين ما يسمى حقوق وواجبات أم التأكيد على حق الفلسطيني بالعيش الكريم وحق الدولة اللبنانية ببسط سلطتها على كامل أراضيها ومن ضمنها المخيمات الفلسطينية؟
وماذا عن إلغاء الطائفية السياسية؟ وهل التعامل مع هذا الموضوع يكون برفضه من أساسه أم بإعادة رمي "الطابة" إلى مطلقها الذي يعمل على "تشييع" إدارات مجلس النواب وحليفه يبشر بولاية الفقيه التي يرفضها أهل الشيعة في لبنان؟ وهل مسموح أن يظهر الرئيس نبيه بري بمظهر الرجل الحداثوي والتغييري والمسيحيون بمظهر الرجعيين والمتخلفين؟ وهل إقامة الدولة المدنية في لبنان بتحرير القيد الطائفي في مجلس النواب وتثبيته في مجلس الشيوخ يتناقض مع أهداف المسيحيين؟ وهل الرئيس بري و"حزب الله" لديهما الاستعداد لإقرار مشروع قانون اختياري موحد للأحوال الشخصية؟ وأين المشكلة بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية طالما أنها ستضم الشخصيات الممثلة لبيئتها وأن قراراتها تتخذ بالتوافق لا بالتصويت؟ فكان بالأحرى أن يواجه بري بهذا الكم من التساؤلات وغيرها الكثير قبل أن ينغلق المسيحيون على أنفسهم رفضا لأي بحث في هذا الموضوع الذي كل الهدف من ورائه تخويفهم وتذكيرهم بغول الديمغرافيا وبالمنقذ السوري أو سلاح "حزب الله".
نعم، لقد أصاب الدكتور فارس سعيد بكتابه المفتوح الهادف إلى إخراج المسيحيين من خوفهم وتأرجحهم وإعادتهم أصحاب فعل ودور ومشروع. ولعل أهم ما يجب استخلاصه مسيحيا من تجربتي الاستقلال الأول والثاني أن الطريق الأوحد لمعالجة مخاوفهم وهواجسهم المشروعة هي من خلال شركائهم في الوطن، وفي وضع هذه الهواجس على طاولة "14 آذار"، أي على طاولة الميثاق الوطني الحقيقي. وما ينطبق عليهم ينسحب على شركائهم الذين لا تعالج هواجسهم داخل الصف الإسلامي إنما بينهم وبين المسيحيين. أما الطرق الأخرى فهدفها واحد وبات معلوما ومكشوفا وهو استخدام المسيحيين وقودا لمآرب حينا سورية وأحيانا إيرانية وفي كل الأحيان لغير مصلحتهم ومصلحة لبنان.
ومن المفيد أخيرا استخلاص العبر من جولة الدكتور سمير جعجع الخارجية التي استعاد عبرها دورا للمسيحيين افتقدوه منذ أكثر من ربع قرن. فالحفاوة التي استقبل بها عائدة إلى حيثيته الوطنية لا فقط المسيحية، كونه استطاع مخاطبة العقل العربي والغربي في قضايا تهمه من الدفاع عن الشرعيات الثلاث اللبنانية والعربية والدولية إلى تمسكه بمشروع السلام في المنطقة انطلاقا من المبادرة العربية وأولوية حل القضية الفلسطينية، وما بينهما حضه على تعزيز خط الاعتدال والحوار والتفاعل. وقد برهن الدكتور جعجع بهذه المواقف التي يحملها مع شركائه في "14 آذار" أن باستطاعة هذا البلد الصغير لبنان أن يكون شريكا للعرب والغرب في معالجة القضايا التي تهم العالم وتخدم السلام والانسانية جمعاء.
نعم، لقد أصاب فارس سعيد في مقاربته للواقع المسيحي، هذا الواقع الذي بات أسير مخاوفه الداخلية وهواجسه الذاتية، مما جعل المسيحيين غير مبادرين وعاجزين على صياغة مشروع ودور ورؤية، بينما يفترض بهم أن يكونوا سباقين وطليعيين في طرح أفكار واقتراحات ومشاريع تضع الآخرين في موقع رد الفعل لا العكس. فالتمسك بالامتيازات في الجمهورية الأولى، على سبيل المثال، لم يحل دون انهيار هذه الجمهورية، علما بأنهم لو بادروا إلى طرح مسألة المساواة منذ البدايات لعطلوا، ربما، لغم الحرب الأهلية. ولعله من المفيد الإقرار بأنه إذا كان ثمة من "فضل" لاستمرار الوجود المسيحي في لبنان، فهذا "الفضل" عائد لحرصهم على مواكبة التطور واللحاق بالحداثة والارتقاء بنمط عيشهم وليس لنيتهم تجميد الحياة، التي لا يمكن تجميدها، حفاظا على وجود سيتحول عاجلا أم آجلا إلى وجود متحفي.
