كان المشهد شديد السُريالية أمام أعين اللبنانيين، وتكمن سُرياليته في أنه مشهد "فرنجي برنجي"، فرك المشاهدون أعينهم بأصابع أكفهم، لم يصدقوا كل هذا الهدوء والوقار البادي على الضابط السابق جميل السيد، كادوا يتوقعون أن يُفلت الزمام من يده وهو ذاهب إلى لاهاي ليطلب "ملف ووثائق" ما يسميه شهود الزور، وبالطبع بالزور حاولنا أن نفهم كيف يطلب وثائق وملفات والمحكمة لم تنعقد بعد ولم ينصب الميزان، إنما … لا بأس في الفرجة لأنها "بايلوت" حقيقي لما سنشاهده لاحقاً عندما يصدر القرار الظني وتنعقد المحاكمة، وبعد ما رأيناه امس قد نشاهد لأول مرة تلفزيون واقع قضائي لبناني دولي، في عرض يستمر وبنجاح جماهيري كبير، ليختم صفحة القتل والترهيب والاغتيال والظن أن الإفلات من العقاب الدنيوي لا يزال ممكناً ومتاحاً…
جلس اللبنانيون يتابعون، أعجبهم المشهد، ستحظى هذه المحاكمة عند انعقادها بجمهور قد يفوق جمهور المونديال، وقار المحكمة وقضاتها بصراحة مشهد مهيب، احترام فوق العادة في الخطاب بين الأطراف المعنيين، كادت شاشة تلفزيون المنار "تبج" من شدة إنشائية الجمل، كادوا يتحدثون عن البلاغة والفصاحة وأساليب البيان والبديع والطباق والجناس والتشبيه والاستعارة وقرينة الدلالة في وصف "مطالعة" محامي وكيل الضابط السابق الذي أجرى هو أيضاً مطالعة مداخلة، يا جماعة عن جد من حسن حظ الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل الشهداء، أن الضابط السابق يطالب بحقهم، لم تقصر الشاشة في المزايدة على الدماء والشهداء، فكان أن "صفقتنا" حكمة: "ما ضاع حق وراءه مطالب"، للحظة شاهدنا الحق بحجم "برغشة" في عين الشاشة التي لا تستحي حتى من الحق والدماء!!
"ولك مين صاحب الحق والدم"؟ و"مين بدو يطالب بحق مين"؟ لم تنتبه الشاشة ربما إلى النهاية "الخرندعية" للمشهد الذي كان في نيتها أن تنفخ به اللبنانيين و"تدحشه" رغماً عنهم في أنوفهم وأنف الحق وفي عينه التي يريدون قلعها علها تعمى عن رؤية دماء الشهداء… والقفلة "الخرندعية" هذه في "بايلوت" المحاكمة الذي تابعناه بالأمس، تناقلتها وكالات الأنباء، "يا الله كيف راح علينا هالمشهد"؟!! لو تسنى لنا رؤية الوجوه بألوانها المزرقة والمصفرة والمحمرة، مشهد تاريخي ولبناني بامتياز، كيف طارت كل مظاهر هذا الهيلمان المنصوب "بكم مسبة"!!
وللأمانة، الشعب اللبناني "سباب"، بل يحشر بين الكلمة والأخرى مسبة، هذه عادة لكن ليس أمام منصات القضاء، لربما لو كان الميكروفون مفتوحاً في قاعة محكمة لبنانية وسمع القاضي الشتائم التي فضح نياتها الميكروفون والموجهة إلى مدعي عام محلي وليس دولي، لكان المحامي – أي محامي – بات ليلته في سجن العدلية لتحقيره المحكمة!!
الأمر ينطبق عليه قول الله تعالى "والمكر السيئ يحيق بأهله"، فما كان وكيلاً لمدعي، بات في وضع المدعى عليه، علينا أن نبحث في قانون المحكمة الخاصة بلبنان أو القوانين التي استلت منها أي عقوبة تطاول محام يحقر الادعاء العام بشتمه في قاعة المحكمة، وعلى الخبراء القانونيين أن يجتهدوا ليجدوا لنا إجابة على هذا السؤال…
"نزعها" الوكيل مع موكله، توقعناها أن تصدر في فورة تعصيب من الضابط السابق جميل السيد، فإذا الشتائم تأتي من وكيله المحامي ناجي عازوري…" يا عمي لبناني… وين بدو يتخبى"، فالمسبات جزء من معجم اللبنانيين اليومي، إلا أنها "سريالية" بالطبع في محكمة دولية.. ربما لأن محاكمنا لا ميكروفونات في قاعاتها، والمحامون والمدعون اعتادوا الاتكال على أصواتهم الجهورية الرنانة بين جدران القاعات، أو ربما اعتادوا أن يسبوا القضاء الذي لا يسمعهم لأنه من الأساس لا يوجد ميكروفون يتنبهون إذا ما أقفل أم لا!!
"بايلوت" واقعي وختامها "مسك"، فقد تعهد مكتب الادعاء العام في المحكمة بملاحقة وكيل جميل السيد المحامي اكرم عازوري ومقاضاته… نهاية هي أيضاً "سريالية" لمشهد شابه ملهاة إغريقية مأسوية، ولفرحة لم تصل حتى إلى القرعة!!