معظم الذين عاصروا عهود الاستقلال الاولى، منذ الرئيس بشارة الخوري وصولاً الى عهد الرئيس سليمان فرنجية، يتحسّرون على لبنان تلك الأيام، لبنان البحبوحة والسلام والانفتاح وقوة الليرة اللبنانية ومتانتها، واحترام العالم كله لجواز السفر اللبناني، بمثل ما يتحسّرون ويذكرون بإعجاب واحترام، رجالات كباراً، في عالم السياسة والادارة، والأدب، والاقتصاد، والمال والفنون، يصعب تعدادهم وذكر اسمائهم، خوفاً ورهبة من خيانة الذاكرة، فيسقط اسم احد اصحاب القامات الكبيرة ممّن كانوا على كل شفة ولسان وما زالوا حتى اليوم.
هؤلاء الكبار، لم تحتكرهم طائفة او مذهب، بل كانوا نتاج جميع الطوائف والمذاهب، وكانوا كلهم في ما أعطوا وأبدعوا يعملون عند ربّ عمل واحد اسمه لبنان، والملفت المدهش ان هؤلاء كلهم، نشأوا وترعرعوا وأبدعوا، كلّ في مجاله، في ظل عهود، اتهمها الحاسدون، والمتآمرون على لبنان الكيان والصيغة، بأنها عهود هيمنت عليها المارونية السياسية وتسلّطت على مقدراتها، علماً بأن لبنان، اذا كان استطاع ان يتجاوز محنة الحرب ومعظم نتائجها، فذلك بفضل المؤسسات الحكومية الرائدة، والأرضية الاقتصادية والمالية الصلبة، والمخزون الكبير من الثقافة والعلم والفنون، التي وجدت في ظل المارونية السياسية، وما زلنا الى اليوم، نمدّ أيدينا الى هذه الخمائر الصالحة، محاولين الأخذ بيد الدولة التي اسقطها الجهل والتآمر والتعصّب، وتفضيل البعض مصلحة الغير على مصلحة لبنان.
اين نحن اليوم، من تلك الأيام، حيث كان للقانون احترامه، وللقضاء قدسيته، وللامن هيبته، وللكلمة نظافتها ومسؤوليتها، وللناس حقوقها، وللحياة الطبيعية مساحتها، ولليرة قوتها.
بالتأكيد ودون ادنى مناقشة، كان هناك تجاوزات وأخطاء وفساد ومحسوبية، ولكن في المحصّلة كانت كفّة الايجابيات «طابشة» وبقوة، وكان بالإمكان اصلاح الحال والبلاد، على غرار ما حدث في العام 1952، عندما أطاحت ثورة اللبنانيين البيضاء بالرئيس التاريخي بشارة الخوري، لأنه ضعف أمام الأهل والأقارب والأصدقاء، دون إهراق نقطة دم واحدة، لأن اللبناني كان ضنيناً بدم أخيه اللبناني، وهذه الحالة الحضارية بقيت متماسكة الى حدّ بعيد في احداث العام 1958، عندما ظنّ بعض الخارج بمساعدة فريق من الداخل، ان الوقت قد حان لإلغاء دولة لبنان، لأنهم اعتبروا قيامها أحد «الأخطاء التاريخية»، متناسين، على أقله، دولة الأمير فخر الدين الثاني الكبير التي امتدت الى مناطق ابعد من لبنان بكثير.
****
بعد وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في العام 1970، وخسارة لبنان بغيابه زعيماً، تفهّم جيداً الخصوصية اللبنانية ودور المسيحيين الكبير في النهضة العربية، فرغت الساحة امام الفلسطينيين ليحوّلوا لبنان الى ميدان قتال، وكالعادة كانت الحجّة جاهزة لتأليب اللبنانيين على بعضهم بعضاً، وهي تبدأ بأن لبنان خطأ تاريخي، وصنيعة سايكس – بيكو، وانه فصّل على قياس الموارنة الانعزاليين، فكانت الحرب الكبرى التي امتدت الى بداية التسعينات والتي دمّرت لبنان وقتلت مئات الألوف، وكان من الممكن لولا صمود المسيحيين، ان يتحوّل لبنان الى وطن بديل للفلسطينيين، لا مكان فيه للمسيحيين.
بعض اللبنانيين الذين شاركوا الفلسطينيين في تدمير لبنان وتدمير صيغة عيشه المشترك، يحاولون اليوم ان ينفذوا ما حلموا به منذ اكثر من اربعين سنة، ولكن بطريقة وأسلوب مختلفين، معتمدين في ذلك على الشعور بضعف المسيحيين وبتناقص عددهم وبتراجع قدرتهم على الممانعة، والوقوف في وجه أي مخطط لتغيير وجه لبنان وديموغرافيته، وعلى الرغم من التحوّل الكبير الذي حصل للطائفة السنيّة بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، واعلان نجله رئيس الحكومة سعد الحريري ثلاث ثوابت تاريخية هي: لبنان أولاً، والمناصفة بين المسيحيين والمسلمين الى الأبد، ووقف العدّ، الا ان المسيحيين، وفي ضوء ما يدور داخل لبنان وخارجه، من نسج خطط ومؤامرات، وقياساً على الحملات المتلاحقة التي تطاول بكركي وسيدها البطريرك نصرالله صفير وأحبارها، وتلك المركّزة على القيادات المسيحية السيادية مثل القوات اللبنانية وحزب الكتائب، والاحزاب والشخصيات المنضوية في تكتل 14 آذار، ومشاريع تحويل لبنان الى دولة مواجهة والابتعاد عن المجتمع الدولي، وطرح مشاريع مشبوهة بقصد الإحراج فالإخراج، وغيرها من الطروحات والتصرّفات التي تحول دون قيام الدولة قيامة حقيقية، يشعر المسيحيون بأن رهانهم على الدولة قد يكون بنسبة كبيرة رهاناً خاسراً، وهم قلقون ومتوجّسون من طرح أي مشروع يحمل علامات استفهام وتعجّب كبيرة وعديدة.
ينفخ المسيحيون اللبن اليوم، لأن الحليب كواهم في الأمس.