#adsense

ريمون جبارة ….وكفى!

حجم الخط

ريمون جبارة. كيف يتناسى هذا الوطن الجاحد، مبدعين من هذا الطراز؟

هذا الوطن الجاحد في كل شيء. في الامن، في الكرامة، في السياسة، في الوفاء، في الفن، في الثقافة، في أعزّ ما يملك من قيم … في كل ما هو جميل وراق.

أين المفر؟ كل هذا واكثر بكثير بعد، وبكثير من الثورة والغضب والقرف، تهرب الى واحة ثقافية نظيفة متواضعة. الى اغنية ناعمة، الى فيلم، الى غير عالم لبنان، وبالصدفة يقفز ريمون جبارة الى الذاكرة المجرّحة بالخيبة. هذا فنان. هذا مثقّف لبناني. هذا لبناني قتله الوطن، فأصبح رجلا ميتا يمشي بيننا. لكنه ميت تعشعش في عينيه بقايا الامل، ويغلّ في ضلوعه المتعبة، حب وطن غير الوطن الذي يراه، ويستمر يعيش فيه، من خوفه وعجزه على مواجهة موته الاختياري.

هذا ريمون جبارة ع الـ "mtv"، الذي حطّ ضيفا، ربما بالغلط، في برنامج "مش غلط" للزميل وسام بريدي، لان الزمن ليس زمن أمثاله، والشاشات ما عادت تتسع لهامات مماثلة. كان حضوره هجينا على الزمن، غريبا على توقيت الوطن، الذي تعجّ مفكرته بالسخفاء والعملاء و"الوطنجيي" والمدّعين.

الى كرسيه ورفيقة الدرب العصا، بهدوء يضج بثورات العالم، جلس الى الكاميرا، فعكس الحضور، صارت الكاميرا بحضوره، هي المأسورة وهو الاسر. هي المستجوَبة وهو السائل. لم تحضر في حضوره لا الوان البرنامج الاربعة، ولا الاسئلة ولا حتى السائل، حضر وحده بكل الوان الحياة، بهامة الجسد الجريح، والروح المذبوحة بهمجية الجهل.

هي ساعة اختصرت مسيرة رجل. هو أكبر بكثير من مجرد ساعة في برنامج تلفزيوني. رجل مثله لا يُختصر في ساعة، بل تخصص له حلقة خاصة على الاقل، ومباشرة على الهواء. أم لعل الهواء المباشر هو حصري، لاعلان الفضائح على لسان بعض رموز أبطال الصحافة الصفراء في لبنان!!
رجل المسرح الذي لم تفهمه الا تلك الخشبة الرائعة، حوّل الشاشة، الى مسرح للافكار غير المألوفة، الخارجة عن قانون لعبة الاعلام، والكلام السخيف المرصوص. الالم تحوّل الى نكتة. هي تلك الخبرية التي تتحوّل نكتة، عندما يصبح الالم عصيّا على الدمع، وعلى أمور الحياة. ساخر حتى الوجع. مضحك حتى الدمع. طريف حتى الاسى. هذا ريمون جبارة.

لم يسلم أحد من اللسان البسيط التعابير، العميييييق أعمق من الاعماق، والعبرة في من يلتقط الاشارة والخيط الرفيع. في الثقافة جال، في الفنون حلّق، اما في السياسة، فأنهمر الزعماء على لسانه، وهو في عزّ انتقاده لهم، كالعسل على قلوبنا ولم نكترث لقلوبهم، أو على الاقل، لقلوب بعضهم.

أحبّ الشيخ بشير وجاهر بحبّه له، لكنه لم يسلم من لسانه السليط في الحق والانتقاد البنّاء. وليد جنبلاط لتغيير الديكور انطلاقا من تغيير المواقف. سعد الحريري متعهّد حفلات انطلاقا من الثروة. ميشال عون الراوي انطلاقا من المواقف الطنّانة الفارغة المضمون. اما سمير جعجع بالنسبة اليه، فهو شبيه تشي غيفارا، انطلاقا من المواقف الثائرة والثابتة، ومستطردا لمضيفه " بتحبّو او لاء هيدا الرجال ما غيرّ"، وعون ثانية، هو فيدل كاسترو الذي لن يرى يوما كرسي بعبدا، ولا يخفي زعله ممن كان السبب في جلوسه الى كرسي نقّال، ورواية ذاك الكلب البوليسي الذي انقضّ عليه أيام كان مديرا لتلفزيون لبنان!

هكذا انهال حضور ريمون جبارة على مزاجنا. هكذا، ريمون جبارة حاف، من دون الاستاذ جبارة، أو الفنان جبارة، أو السيّد أو أو أو … الرجل هو اسمه. هو عيناه. هو ابداعه. هو رسالته الفنية الوطنية. هو ريمون جبارة وكفى.

يكفينا اننا عاصرنا رجلا من هذا النوع، لنجعله حكاية، من بين حكايات المبدعين القلائل، لنرويها ذات يوم لاولادنا، ولكل من يحبّ أو سيحبّ يوما هذا الوطن.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل