بعدما تأكد أن إسرائيل تريد مقايضة الأرض بالأمن قبل السلام
هل يوافق "حزب الله" على وضع سلاحه بإمرة الدولة؟
بعدما نجح "حزب الله" في الاحتفاظ بسلاحه، رغم كل الحملات والضغوط الداخلية والخارجية والقرارات الدولية بالتخلي عن هذا السلاح، هل ينجح مرة أخرى في جعل استخدامه خاضعاً لإمرته فقط، أم يستجيب طلب جعل هذه الإمرة للدولة اللبنانية وخصوصاً انه شريك فيها وقد حقق بواسطته معظم أهدافه في الداخل والخارج؟
لقد رد الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله على مَن كانوا يطالبون بنزع سلاح الحزب بكلام شديد اللهجة هدد فيه بقطع يد من يجرؤ على ذلك. وأكد غير قيادي في الحزب أنهم "لن يؤيدوا انتخاب رئيس للجمهورية ولا المشاركة في أي حكومة إذا لم يكونا مع المقاومة ويلتزما حمايتها، وان من يسعون الى نزع سلاح المقاومة ستخيب آمالهم، حتى وإن بطريقة متحايلة تحت عنوان ادماجه، وان على هؤلاء "ألا يتعبوا انفسهم" لأن ما لم تنجح به الاساليب العسكرية في حرب تموز لن تنجح به اساليب التحايل السياسي أو التحريض، وان الذهاب الى هيئة الحوار الوطني، هو ذهاب تحت عنوان واضح وهو كيفية الدفاع عن لبنان في مواجهة تهديدات العدو الاسرائيلي والبحث في سبل بناء الدولة التي تكون لجميع أبنائه، وألا تكون الاستراتيجية الدفاعية مناقشة أو إجراءً عسكريا بل بلورة لرؤية وطنية ذات طابع وطني شامل، وأن لا خيار آخر غير المقاومة التي هي رد فعل على الاحتلال والعدوان والظلم وقد أثبتت جدواها، وان قوة المقاومة تتكامل مع الدولة اللبنانية، وقد عطلت استخدام لبنان كساحة لاسرائيل وأعاقت مشروع التوطين، وهي ترفض عسكرتها بجعلها محصورة في مجموعات، وان لا حل في لبنان في مواجهة اسرائيل الا المقاومة ولن تجرب مع الآخرين السياسة والديبلوماسية".
هذا الكلام جعل قادة أحزاب في قوى 14 آذار، وتحديداً النائب سامي الجميّل منسق عام حزب الكتائب يعلن في حديث له "ان أركان الدولة هم رهائن لدى "حزب الله" وان البيان الوزاري حصل بالإكراه، وهو مثل كل عقد يحصل بالإكراه يعتبر باطلاً وسبق ان قدمنا طعناً به أمام المجلس الدستوري".
والسؤال المطروح هو: بماذا يجيب "حزب الله" في جلسة هيئة الحوار المقبلة على طلب رئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع وضع سلاح الحزب بإمرة الدولة في مقابل الموافقة على بقائه في يد الحزب؟
في المعلومات المتوافرة حتى الآن ان الحزب الذي أصر على الاحتفاظ بسلاحه رغم كل الضغوط والحملات، قد يصر على أن تبقى الإمرة له ولكن بالتنسيق والتعاون مع الجيش اللبناني، لا أكثر ولا أقل، لأن العمليات التي يقوم بها الحزب كقوة مقاومة وكهامش لتحركه، تختلف عن تلك التي يقوم بها الجيش النظامي، فإذا ظل موقف كل طرف في هيئة الحوار الوطني متعارضاً وموقف الطرف الآخر فإن الحوار يتحول ان لم يكن قد تحول حوار طرشان، والاستراتيجية الدفاعية قد لا تبصر النور ما دام لكل طرف استراتيجيته، وقد تقع المواجهة العسكرية مع اسرائيل قبل أن يكون قد تم التوصل الى اتفاق على هذه الاستراتيجية التي لا يعول عليها "حزب الله" في هذه المواجهة لأن له استراتيجية في كل المعارك التي خاضها مع العدو الاسرائيلي سواء عندما أرغمه على الانسحاب من الجنوب، او عندما صمد في وجهه في حرب تموز 2006 ومنعه من تحقيق أهدافه.
واذا كان "حزب الله" قد حقق بسلاحه النجاح في مواجهة العدو الاسرائيلي، فإنه حقق النجاح ايضاً في الداخل عند مواجهة خصومه السياسيين، فحال دون انتخاب رئيس للجمهورية من أكثرية قوى 14 آذار وتشكيل حكومة من هذه الاكثرية، وذلك بفرضه تشكيل حكومة من الأكثرية ومن الاقلية كي تظل القرارات التي تصدر عن مجلس الوزراء خاضعة لموافقة الجميع أو للتوافق، وهو ما ظلت الاكثرية ترفضه ويتأخر انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة الى ان كانت حوادث 7 أيار التي أدت الى عقد مؤتمر الدوحة الذي توصل الى تسوية وان كانت تخالف أحكام الدستور باعتبار انها تسوية موقتة لظرف استثنائي، فعسى الا يصح الموقف دائما والظرف الاستثنائي يطول أمده…
واذا كان قد بات من الواضح ان "حزب الله" لن يتخلى عن سلاحه في لبنان ولا حركة "حماس" عن سلاحها في فلسطين ما لم يتحقق السلام الشامل في المنطقة بينما اسرائيل ترفض تحقيق هذا السلام قبل ان تضمن امن حدودها، وهو امن لا يمكن ضمانه بوجود سلاح خارج الشرعية، وقد اعلن رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو ذلك صراحة بقوله ان الامن هو الاولوية بالنسبة الى اسرائيل، فعندما انسحبت من الجنوب اللبناني ظنت انها ستتوصل الى ضمان أمن حدودها مع لبنان فكانت النتيجة ان هذه الحدود ظلت مضطربة وغير هادئة نظرا الى وجود سلاح لأحزاب وتنظيمات عجزت السلطة اللبنانية عن ضبطه. وعندما بلغت المفاوضات بين اسرائيل وسوريا حد الاقتراب من الاتفاق، اشترطت اسرائيل ان تمنع سوريا مرور الاسلحة عبر اراضيها الى "حزب الله" في لبنان، فرفضت سوريا ذلك معتبرة ان الموضوع هو خارج اتفاق السلام وانها مسؤولة عن حدودها فقط… وعندما دخلت المفاوضات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية في التفاصيل بعد القبول المبدئي بحل الدولتين، سألت اسرائيل عن وضع حركة "حماس" في غزة، وهل في الاستطاعة ضبطها اذا لم توافق على ما تكون السلطة الفلسطينية وافقت عليه، فلم يكن الجواب مقنعاً. واذا كانت اسرائيل ترفض الانسحاب من باقي الاراضي اللبنانية فلأنها باتت متأكدة من ان السلطة اللبنانية عاجزة عن حماية امن حدودها الجنوبية بوجود سلاح "حزب الله" ومجموعات اخرى مسلحة، وهو ما جعل اسرائيل تقول انها لن تنسحب من باقي الاراضي اللبنانية ما لم تضمن السلطة اللبنانية الامن على حدودها، ولن تنسحب من باقي الاراضي الفلسطينية ما دامت حركة "حماس" لها دولتها في غزة وهي دولة خاضعة لايران، بحسب رأيها، وان اسرائيل ترفض ان تصبح ايران على حدودها في لبنان وفي غزة…
يتبين من كل ذلك ان لا "حزب الله" ولا حركة "حماس" ولا اي تنظيم مسلح ومن هم وراءهم، مستعدون للتخلي عن سلاحهم ما لم يتحقق السلام الشامل في المنطقة لأنه يشكل ورقة قوة وضغط في المفاوضات، فيما اسرائيل غير مستعدة لأن تنسحب من باقي الاراضي التي تحتلها ما لم ينزع هذا السلاح او يوضع في كنف الدولة الشرعية كي تضمن امن الدولة العبرية اولا وقبل التوقيع على اي اتفاق للسلام، اذ انه سبق لها ان انسحبت من اراض فلسطينية واستمرت اعمال العنف، وانسحبت من اراض لبنانية واستمرت هذه الاعمال ولا شيء يضمن امن اسرائيل حتى بعد توقيع اتفاق سلام اذا ظل السلاح في ايدي مجموعات لا تخضع لسلطة الدولة، وهو ما يجعل اصحاب المساعي يبحثون عن حل يوفّق بين الامن والسلام ويجعلانهما يسيران معاً وعلى خط متواز.