هكذا إذن يا إخوان، ظهر أخيراً أن "حزب الله" وبعض قوى الممانعة عندنا ليسوا بمنأى عن السوسة الانشقاقية التي نخرت جهات وتيارات وأحزاباً عريقة وشلّعتها إلى فرق متنافرة ومتباعدة علماً أن ذلك كان يبدو عصياً عصيان جريان الماء صعوداً.
الأمر بقي غامضاً حتى ظهرت بوادره في محطتين مركزيتين. الأولى سُجلت منذ فترة لدى مناقشة موضوع الهبة الأميركية المقدمة إلى قوى الأمن الداخلي حيث أُقرّت بالإجماع في مجلس الوزراء ثم لما وصلت إلى مجلس النواب لاتخاذ المقتضى تحوّلت إلى "اتفاقية" وجرى تعميم الانتباه إلى أنها تمس مسّاً خطيراً كبيراً رنّاناً طنّاناً بالأمن القومي والسيادة الوطنية والمشاعر الحساسة للممانعين اللبنانيين البعيدين كل البعد عن أي تماس مع الخارج ومصالح بعض ذلك الخارج، والضنينين بمصالح بلدهم وأهل بلدهم أولاً وقبل أي شيء آخر..!!
المحطة الثانية ظهرت بالأمس تحديداً لمناسبة عرض مشروع الاتفاق الأمني وغير الأمني مع الحكومة الفرنسية، بحيث إن الحكومة اللبنانية كانت درسته وناقشته وأقرّته "بالإجماع" أيضاً، ثم لما وصل إلى البرلمان لاتخاذ المقتضى وفق الأصول انتبه نواب الممانعة الأصلية والفرعية إلى خطورته على الأمن القومي اللبناني وعلى أدبيات النزاع مع قوى الشر في العالم، وخصوصاً لجهة تعريف مصطلح "الإرهاب" الوارد فيه، ومدى خطورة احتمال توظيفه من قبل "الإمبرياليين الفرنسيين" لخدمة أعداء الأمة الناطرين جملة في فقرة في مشروع إتفاق كي ينقضّوا على المقاومة وأهلها!
ما تبيّن بالصوت والصورة (أعزائي المشاهدين) أن ما كان مستوراً سابقاً انفضح لاحقاً، وأن حزباً حديدياً مؤدلجاً وممركزاً ومقفلاً ومنظّماً إلى حد الأسطورة يعاني من ازدواجية خطيرة في قراره وفي مركزية ذلك القرار.
وزراء الحزب صوّتوا لصالح اتفاق هو في نهاية الأمر والنهي من أعمال الدولة تبعاً للمصلحة الوطنية العليا، وبعد أن تلمّسوا لمس اليد وشاهدوا بأم العين وأبيها وسمعوا محصلة قراءة تفيد بأنه اتفاق تلقائي وطبيعي مع دولة صديقة تاريخياً للبنان وأن لا شيء فيه يمكن أن يزعزع أساس الممانعة ولا البناء القائم فوق ذلك الأساس.
غير أن نواب ذلك الحزب الحديدي، المؤدلج الممركز، المقفل والمنظّم إلى حد الأسطورة رأوا في الاتفاق مخاطر فظيعة إلى حد أن أحدهم لم يستطع ضبط نفسه ولجمها فاتهم كبار المسؤولين اللبنانيين كلهم دفعة واحدة (بمن فيهم وزراء حزبه؟) بـ"الاستخفاف بسيادة البلاد" قبل أن يضبّ أوراقه ويخرج من جلسة اللجان التي كانت تناقش الموضوع!
لم يحصل ذلك إذن مرة واحدة، بل مرتين متتاليتين. وإذا كان بعض أصحاب النيّات الشريرات الداشرات في حقول التحليل والتنكيل النظري قد ربطوا بين معارضة الهبة الأميركية لقوى الأمن والنزاع السياسي والفكري المفتوح مع أميركا، وبين معارضة الاتفاق مع فرنسا وقبلها التعرض لوحداتها العاملة في إطار "اليونيفيل" وبين المصارعة المفتوحة بين باريس وطهران على العقوبات وغير العقوبات.. فإن ذلك كما تبيّن بالصوت والصورة كان عبارة عن تحليل ناقص من قبل مراقبين كيديين يتمتعون بمكرمات وعطايا "العزيز جيفري" لتشويه صورة الحزب ودكّ شعبيته ومصداقيته بالأرض..!!
التحليل ناقص ومدفوع الأَجرْ، ولا يركب على عقل سوي. والحقيقة التي ظهرت على دفعتين هي ما سلف ولا شيء آخر. أي أننا إزاء حالة انشقاقية بين وزراء "حزب الله" من جهة ونوابه من جهة ثانية، وأن ما يوافق عليه الأوّلون ينفيه ويعارضه الثانون (مظبوطة)، وأن الازدواجية المريرة التي حُكيَ عنها سابقاً لجهة ممارسة هوايتين في ملعب واحد، أي المشاركة في اتخاذ القرار داخل المؤسسات ومعارضة ذلك القرار خارج تلك المؤسسات، تلك الهواية لم تكن إلا تمويهاً وتغطية لتلك الحالة الإنشقاقية التي ما كانت لتخطر في بال أحد من أهل البلد… وشكراً جزيلاً كثيراً تماماً بتاتاً مباشرة.