لا عجب على الاطلاق فيما يحصل اليوم على الساحة اللبنانية من فضائح امنية الى "فلتان حبل" الجنوب الى خرق امن مطار رفيق الحريري الدولي وصولا الى المواقف النارية والانتهازية الصادرة عن قوى "8 اذار" وبخاصة عن "حزب الله" وحلفائه واخرها موقف لاحد نواب كتلة التنمية والتحرير الذي على ما يبدو توقفت عقارب ساعته في العام 1975 ولا تزال متوقفة هناك …
لا عجب في غياب القرار الرسمي للدولة باخذ زمام المبادرة في موضوع المواجهة مع اسرائيل ورسم استراتيجيتها الدفاعية والتصدي الحازم لحالات الخروقات الامنية من هنا وهناك والتي غالبا ما تعالجها السلطة على طريقة اما دفن رأس النعامة في الرمل واما على طريقة "ابو ملحم" ولكن من النوع الذي يصبح فيه ابو ملحم كالغافل لا بل المغفل بالاذن من روح الفنان العزيز والراحل الكبير) … فالدولة وبكثرة ما تساير "وتتمايع" باتت لا تقوى حتى على الوقوف على انصاف رجليها …
نقول هذا الكلام من منطلق الحقيقة المرة التي مفادها ان الدولة في حالة تسليم امرها لقوى الامر الواقع كافضل مخرج لها بدل مواجهة التحديات ومعالجتها واقتلاع بزور الانقسامات الداخلية على قاعدة مصلحة الدولة ولبنان فوق كل اعتبار – فينكشف عندها اي فريق لا يريد حقيقة العمل من اجل المصلحة الوطنية.
لكن دولتنا قررت التنازل عن سلطتها وادوارها المفصلية، وهي ارتضت:
1- التنازل عن الدستور وذلك من خلال تشريع ما لا يشرع وعدم تشريع ما ينبغي تشريعه: فمعادلة الشعب والجيش والمقاومة خلقت ثلاثية اين منها الترويكا السابقة ايام الرئيسين الهراوي ولحود – فبات كل شيء في الدولة يقرر ويخطط استنادا لهذه المعادلة العجيبة والوصفة المختلقة – فتعطل الدستور في مواده الاساسية وباتت السلطة رديفة "المقاومجية" في تثبيت الغلبة لفريق على اخر وشعور جديد لدى قسم من اللبنانيين بعدم نزاهة وقدرة دولتهم على حماية حقوقهم وصونها بالتساوي مع الاخرين.
2- التنازل عن سيادتها امام المجتمع الدولي من خلال توكيل امر الجنوب وامنه وتقرير مصيره "لاهالي " منظمين ومبرمجين لتنفيذ ما تحتاجه في السر ديبلوماسية الرئيس أحمدي نجاد – فكان ما كان مما كان بامكان تجنبه وعدم تلطيخ سمعة لبنان في اروقة مجلس الامن … كي لا نقول عدم ازلالنا امام الناس والرأي العام العالمي على اننا فعلا دولة بلا سيادة وبلا قرار … لان القرار في مكان اخر … فاخطر ما يمكن استنتاجه من احداث الجنوب الاخيرة والتي انتهت ظاهريا وموقتا بشاشة عملاقة مقدمة للاهالي – ان لبنان الدولة يعطي الطامعين والطامحين الاقليميين والدوليين كل المبررات والادلة على عدم قدرته على حكم نفسه بنفسه لا بل يعطي الانطباع بانه مغلوب على امره – لا حول ولا قوة له – وهذا ما ترددت اصداؤه في الايام الاولى من الاحداث الجنوبية في كواليس العواصم الدولية واولها باريس. وقد علمنا ان ما سمعه الرئيس الحريري من المسؤولين الفرنسيين لم يكن حقيقة مطمئنا …
3- التنازل عن سلطتها في ضبط المطار الدولي – مطار رفيق الحريري – قبلة انظار العالم الى بيروت – والممر الالزامي لكل زائر ووافد الى لبنان – فاين تلك السلطة التي خيضت في سبيل تثبيتها اشرس غزوة على بيروت في 7 ايار؟ اين الدولة التي تعالج مرة اخيرة وبحزم موضوع المطار وامن المطار والقرار في المطار …؟ فامام الدولة اللبنانية حتمية اتخاذ قرار مصيري وصعب ما دونه لا يمكن ان تستمر الامور على هذه الحال:
عليها الخيار بين ان تكون هي الدولة وهي صاحبة السلطات كافة بما فيها السلطة الامنية في كل لبنان … واما ان تعلن نفسها سلطة رديفة لسلطات اخرى وقوى أخرى …
لا ينفع بعد اليوم التزرع بالوقوف الى جانب المقاومة لتبرير انتهاكات الدستور والسيادة والقرار السيادي …
كما لم يعد يكفي التذرع بالعدو الاسرائيلي لتبرير استكمال فريق لبناني عملية وضع يده بالكامل على القرار الرسمي في كل مفاصل الحياة الوطنية – على حساب الاخرين وعلى حساب مصالح لبنان العليا ومصالح الشعب اللبناني بكافة فئاته …
بالامس انبرى احدهم يعيد استخدام مصطلح "المارونية السياسية" وقد نسي ان المارونية السياسية لم تكن الا حصيلة عقدة الخوف لدى المسيحيين عبر التاريخ، فماذا فعل هذا الذي يتكلم اليوم وقبله اسلافه لطمأنة الخائفين ؟؟؟
لابل نجده هو نفسه اليوم ينقلنا من "مارونية سياسية" الى "شيعية سياسية" عنوانها "الامر لي" والمقنعة بشبه دولة ومؤسسات لاخافة المسيحيين مجددا. فبعدما كان العنوان عام 1975 وما قبله انهاء الظلم والحرمان لدى المسلمين وقسم كبير من اللبنانيين، بات العنوان اليوم انهاء الظلم والحرمان لدى المسيحيين وقسم اخر من اللبنانيين، لدرجة حرمانهم من حقهم في ممارسة ديمقراطيتهم … وحقهم في التساوي في تقرير مصير بلدهم وقرار الحرب والسلم فيه وتحديد استراتيجيته الدفاعية … وفي التعبير الحر عن ارائهم سواء على طاولة حوار او على اي منبر من المنابر …
فعن اي مارونية سياسية يتكلم اليوم ذلك النائب المتكلم؟ وهل تراه يقصد مارونية اركان الحكم الذين وضعوا وشرعوا له ثلاثية حاولت ان تجعل من المقاومة ركن من اركان الدولة…؟!
هل يقصد مارونية دولة تنازلت لجماعته عن قرار الحرب والسلم واخلت لها الساحة الجنوبية تحت شعار المقاومة وان لا صوت يعلو فوق صوت المعركة – ولو على حساب طمس الحقائق ولفلفة الفضائح وتركيب السيناريوهات وارسال الرسائل يمنة ويسرة؟!
هل يقصد بالمارونية السياسية تنازل الدولة لجماعته عن حكم البلد في كافة مفاصله … كما هو حاصل اليوم؟ وقد باتت الدولة اسيرة تحالفها مع جماعته الى حد افقادها القدرة على اتخاذ قرار او موقف من دون مراعاة المقاومة وحزب المقاومة وقوى "8 اذار" … لا بل وسلاح "حزب الله" … ؟
صحيح من قال ان الذين استحوا ماتوا …
لكن يبقى على الدولة واجب مقدس في التغلب على ذاتها وحزم امرها والا تبقى بعد اليوم اسيرة موقفها التراجعي والانكفائي … لا بل التنازلي المدمر للوطن … قبل ان تنهار الجمهورية …
