#adsense

ما جدوى استمرار حكومة “وحدة وطنية” لا توحِّد؟

حجم الخط

عندما يعارض نواب ما وافق عليه وزراء يمثلونهم
ما جدوى استمرار حكومة "وحدة وطنية" لا توحِّد؟

تثبت حكومة ما يسمى "وحدة وطنية" مرة تلو الاخرى فشلها حتى عندما تتفق على اتخاذ قرارات، اذ يتبين ان ما يتفق عليه الوزراء الذين يمثلون الاحزاب والقوى السياسية الاساسية في البلاد، يختلف عليه النواب الذين يمثلون ايضا هذه الاحزاب والقوى. والامثلة على ذلك كثيرة ويكفي ايراد اتفاق الهبة الاميركية الذي مر في مجلس الوزراء بدون اعتراض، واذا بالنواب الممثلين في الحكومة يكتشفون فجأة ان في هذا الاتفاق شوائب تثير الهواجس لم يتنبه اليها الوزراء الذين يمثلونهم في الحكومة وتجعل امن لبنان مكشوفاً امام الولايات المتحدة ومن خلالها امام اسرائيل… ثم تأتي موافقة مجلس الوزراء على الاتفاق الامني مع فرنسا، ويكتشف نواب "حزب الله" وحركة "امل" فجأة ان "عبارة" مكافحة الارهاب تحتاج الى تفسير بحيث لا توصف المقاومة في لبنان بـ"الارهابية" خلافاً لموقف لبنان منها، وانه لا بد، توضيحا لذلك، من اضافة عبارة تفسر معنى الارهاب كما فسرها الاتفاق العربي الذي وقع لبنان عليه. فاذا كان الوزراء في الحكومات يختلف رأيهم في كثير من الامور عن رأي النواب الذين يمثلونهم، فأي معنى وجدوى لتشكيل حكومة تسمى حكومة "وحدة وطنية"؟ فإما ان يكون للنواب ثقة بالوزراء الذين يمثلونهم فيوافقون على ما يوافقون عليه او ان لا ثقة بهم وتنبغي العودة اليهم قبل اتخاذ اي قرار… في حين مطلوب من الحكومة ان تكون متضامنة امام مجلس النواب في الدفاع عن مشاريعها وقراراتها وان يكون النواب الممثلون فيها متضامنين مع الحكومة ومدافعين عنها وليس العكس كي يصح القول ان الحكومة هي فعلاً حكومة وفاق وطني وليس قولا فقط.

الواقع انه عندما قال وزير المال السابق محمد شطح ومستشار الرئيس الحريري حاليا في حديث له ان "حكومة الوحدة الوطنية الحالية تعاني خللاً بنيوياً" ترك هذا الموقف انطباعات وتساؤلات جعلت النائب علي حسن الخليل يطلب توضيح ذلك لمعرفة ابعاد ما قاله شطح، وهل يقصد به وجوب رحيلها، وان الظروف باتت مؤاتية لذلك، في حين ان نوابا آخرين من قوى 14 آذار و8 آذار استبعدوا ذلك لان الظروف الاستثنائية التي اتت بهذه الحكومة ما زالت قائمة، وان تشكيل حكومة جديدة لن تكون مختلفة عن الحكومة الحالية إلا ببعض الاسماء والحقائب.

وفي المعلومات ان الوزير السابق والمستشار السياسي للرئيس الحريري محمد شطح لم يقصد في كلامه على الحكومة ترحيلها، انما وصف واقعا معاشا وشكل في نظره "خللاً بنيوياً" وقد يكون في ما حصل وما قد يحصل ما يؤكد ذلك. فمبرر تشكيل حكومة "وحدة وطنية" تتمثل فيها القوى السياسية الاساسية في البلاد هو ان تكون القرارات التي تصدر عنها باجماع او بشبه اجماع وبتوافق، ان تحظى بموافقة مجلس النواب ما عدا ابداء ملاحظات او اقتراح تعديلات طفيفة لا تغير شيئا في الجوهر، وإلا فما معنى ان يكون توافق عليها في مجلس الوزراء وخلاف عليها في مجلس النواب…؟

لقد اعتبر وزير الاتصالات شربل نحاس في حديث له "ان حكومة الوحدة الوطنية هي فرصة لاعادة ترسيم الدولة واعادة بناء مؤسساتي فعلي لها، وان وجودها هو انجاز في اتجاه تحسين العلاقات مع سوريا"، لكن هذه الحكومة لم تتوصل حتى الآن الى ترسيم الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل الاراضي اللبنانية وان لا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها، خصوصا اذا كان قيام هذه الدولة مرتبط بتنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته، ويبدو ان تنفيذه بات مسؤولية لبنان وحده، فلا سوريا تعتبر نفسها معنية، ولا اسرائيل لانها تعتبر تشكيل حكومة وحدة وطنية يتمثل بها "حزب الله" اسقاطاً لهذا القرار، وفي هذه الحال يكون مكتوباً للبنان ان يظل يعيش في ظروف استثنائية ووضع شاذ الى ان يتحقق السلام الشامل في المنطقة، ويصير في امكان لبنان العودة الى تطبيق النظام الديموقراطي الذي تعتمده دول كثيرة بعد أن مرت بتجربة انظمة كثيرة لم تكن ناجحة.

ويقول مسؤول سابق ان الاستمرار في تطبيق "النظام التوافقي" بسب التمثيل الذي اصبح مذهبياً، وليس كما في السابق تمثيلاً سياسياً، سوف يضع لبنان بين خيارين: إما القبول بحالة "الكحل" التي تتجنب فيها الحكومات اتخاذ قرارات الا بالتوافق، وهو ما قد يتعذر تحقيقه دائما حتى في حالات الضرورة، او القبول بحالة "العمى" اذا اتخذت القرارات بحكم الضرورة بالاكثرية. فيعتبر طرف انه غالب وطرف مغلوب، وهو ما قد ينعكس سلبا على الوضع في البلاد وبصورة خاصة على العيش المشترك والوحدة الداخلية.

ويضيف ان حكومة "الوحدة الوطنية" التي لا تتخذ قراراتها إلا بالتوافق هي اشبه بصاحب فندق لا يعد طعاما لزبائنه الا بعد ان يقف على رأي كل واحد منهم، فإذا لم يتفقوا يظلون بدون طعام… او انها حكومة كما وصفها البطريرك الكاردينال صفير غير مرة بعربة يجرها حصانان…

لقد كانت انجازات حكومة "الوحدة الوطنية" ضئيلة حتى الآن لان الرئيس سليمان والرئيس الحريري يفضلان الاتفاق ولو على القليل من الاختلاف من اجل الحصول على الكثير وان استمرار الاستقرار باعتماد التوافق افضل من اتخاذ قرارات تهز هذا الاستقرار، فشرّ يصير الاتفاق عليه افضل من خير يصير الخلاف عليه.
واذا كان البعض يشكو من قول الوزير السابق محمد شطح ان الحكومة "تعاني خللاً بنيوياً"، فان هذا الخلل ظهر ويظهر في قرارات كان لبعض النواب موقف آخر منها مثل اتفاق الهبة الاميركية ومثل اتفاق الامن مع فرنسا، بحيث باتت الدوافع السياسية تعطي تفسيراً لكل عبارة، مثل عبارة "مكافحة الارهاب" المحسومة لبنانيا بالتوقيع على الاتفاق العربي الذي يفسر معنى "الارهاب"، وليس للبنان ان يرغم فرنسا على اعطاء تفسير مماثل لتفسيره. عدا ان مكافحة الارهاب لا تتم من طرف واحد بل تتم من الطرفين، وعند الخلاف تتعطل المكافحة. هذا عندما تكون النيات صافية ولا خلفيات سياسية فيها، ولو ان الاتفاق مع فرنسا طرح في ظروف غير الظروف الحالية التي جاءت متزامنة مع العقوبات على ايران، بل جاءت في ظروف مختلفة عندما وافق عليه مجلس الوزراء، لما كان مطلوبا تفسير ما لا يحتاج الى تفسير، ولا ما كان الوزراء يقررون شيئا والنواب وهم ممثلون بهم يعارضون.

ويختم المسؤول نفسه بالقول إن المدافعين عن اهمية وجود حكومة "وحدة وطنية" لاقامة الدولة وتفعيل المؤسسات هم امام امتحان هذه الوحدة، عندما تطرح على مجلس الوزراء التعيينات الادارية والديبلوماسية ولا سيما منها الامنية والعسكرية، وعندما يصدر القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الحريري، ليرى الناس مصير هذه "الوحدة" عندما تتنافس الكفاءة مع المحاصصة والسياسة مع العدالة، وعندما تكون الحكومة متضامنة ومجلس النواب منقسم او الحكومة منقسمة وغير متضامنة وهو الاسوأ والاخطر.

المصدر:
النهار

خبر عاجل