اهتمام بتطوّر المواقف السياسية وانحسار المزايدات
هل يتمكّن لبنان وحده من إنجاز الملف الفلسطيني؟
تثير مقاربة الحكومة اللبنانية لموضوع حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان اهتماما كبيرا انما غير معلن . ومرد هذا الاهتمام اعتبارات متعددة. تبدأ بتخطي الموضوع للضجيج حول جملة امور اثيرت اخيرا بصخب ولا تزال من الاعتداء على القوة الدولية في الجنوب الى الاتفاق الامني مع فرنسا وقبلهما او ما بينهما الجدل حول توقيف عملاء لاسرائيل وحادث المطار. اضف الى ذلك تخطيه نمطاً من السلوك المتوتر في اتجاهات عدة لكي يصل الى مجلس النواب وسط استعدادات لمناقشة الموضوع وغياب اي ممانعة فعلية ظاهرياً على الاقل.
ومع ان طرح الموضوع اثار تجاذبا سياسيا في البداية فان هذا التجاذب تراجع نوعاً وكماً. وهو امر مثير للاهتمام كونه من المرات النادرة التي لا يتهم فيها افرقاء الداخل، المزايدون عادة في الموضوع الفلسطيني في كل الاتجاهات، دولا خارجية بالتدخل من اجل فرض روزنامتها في الموضوع الفلسطيني بنية التوطين او سواه. اذ بدا هؤلاء حذرين في توجيه مثل هذه الاتهامات حتى الى من لا يعجبه اعطاء الفلسطينيين حقوقا نتيجة التداخل في المواقف بين القوى السياسية بحيث لا يود اطراف الفريق الواحد ولا يستطيعون لاعتبارات عدة شق التلاقي الاساسي الذي يجمع بين المجموعات السياسية. فلم يبادر سياسيو "التيار العوني" مثلا الى اتهام النائب وليد جنبلاط الذي كان تقدم باقتراح القانون في هذا الاطار بتنفيذ اجندة خارجية في هذا الموضوع على رغم ان اعطاء الفلسطينيين حقوقاً لهم امر محرج للتيار الذي يعتبر ان منع التوطين هو قضيته الاساسية. كما لم يبادر الى رفض الموضوع مراعاة لحليفه الاساسي اي "حزب الله" الذي يرفع قضية الفلسطينيين ايضا وحتى لم يتهم "تيار المستقبل" ايضا الذي اعد ورقة مشتركة مع افرقاء اخرين من قوى 14 اذار بأنه يسعى الى التوطين على ما هي عادته.
وموضوع اللاجئين الفلسطينيين حساس جدا بالنسبة الى دول عدة اوروبية وعربية ترى ان لبنان نتيجة ما عاناه من التجربة الفلسطينية لا يزال يعيش عقدة منح الفلسطينيين قوة او تركهم يتمتعون بالقوة عبر امتلاكهم السلاح اضافة الى الخشية من البقاء في لبنان لعدم امكان حصولهم على حق العودة الى اراضيهم. وهذه الدول ترى ان وضع الفلسطينيين في لبنان غير مقبول من الناحية الانسانية والاجتماعية. لكن ايا منها لا تبدو مستعدة للادلاء بدلوها في هذا الموضوع لئلا تعطي بعض الافرقاء اوراقا يمكن التذرع بها من اجل عرقلة الموضوع او جعله اكثر صعوبة ولو ان التداول به قائم في اللقاءات الخاصة مع السياسيين. اذ ثمة اهتمام بالمدى الذي يمكن ان يذهب اليه لبنان وطبيعة الحقوق التي سيمنحها للفلسطينيين اضافة الى جملة تساؤلات اخرى تتصل في غالبيتها بمعرفة ما اذا كانت هذه الحقوق التي ستمنح يمكن ان تساهم في تغيير حياة اللاجئين الفلسطينيين.
اضافة الى تساؤلات اذا كانت هذه الحقوق يمكن ان تغير في تصرفات الفلسطينيين في لبنان وطريقة تفاعلهم معه او ان المخاوف من التوطين او استغلال البعض هذا العنوان، يمكن ان تتوقف نتيجة اثبات الافرقاء اللبنانيين ان في امكانهم التحكّم بهذا الموضوع. ويتساءل البعض اذا كان تكرار الولايات المتحدة الاميركية اخيراً على السنة مسؤوليها الكبار انها لا تسعى الى فرض توطين الفلسطينيين على لبنان ساهم في اشاعة اطمئنان لدى الافرقاء السياسيين. وعلى رغم ان الكثير من هذه التساؤلات غير واضح حتى الان في ظل استمرار مناقشة الموضوع امام المجلس النيابي وخضوعه للاخذ والرد، فان ثمة ايجابية يسجلها المتابعون لكن تتسم بالحذر والواقعية في التعاطي مع الموضوع. وهذه الايجابية تتصل بواقع ان الامر قد بدأت دراسته فعلا، وهذه تعد خطوة اولى مشجعة. والخطوة الاخرى هي تبادل الافرقاء السياسيين اوراقا لدرسها ومناقشتها علما ان التشنج قائم بقوة حول مواضيع اخرى موازية مطروحة في الجدل السياسي والاعلامي اليومي، وذلك في انتظار ما ستسفر عنه النقاشات وما اذا كانت ستصل الى موضوع الواجبات او الالتزامات الفلسطينية والتوافق على نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وربما داخلها ايضا وفق ما يرى المتابعون. وتاليا اذا كان يمكن الافرقاء المسيحيين خصوصا اقناع انصارهم بالفصل بين موضوعي اعطاء الفلسطينيين الحقوق وعدم الزامهم الخضوع لمنطق الدولة اللبنانية اقله في ما هو متفق عليه على طاولة الحوار. وهل يمكن ان تطلب مساعدة الخارج للمواكبة في هذا المجال وخصوصا مع اعلان البعض ان المسؤولية في شأن الفلسطينيين ليست مسؤولية لبنانية فحسب بل دولية أيضاً، واي مساعدة يمكن ان تطلب وكيف؟ ومجموعة هذه التساؤلات في رأي هؤلاء قد تكون حتمت دراسة اكثر عمقا لهذا الموضوع مع ابراز اهتمام اذا كان التأجيل هو لهذه الغاية ام هو لوضع الموضوع على الرف.