عبارة "المحكمة الدولية وما يُعدّ للبنان" مناقضة حتى لـ"تفاهم مار مخايل"
الأمور إن قيست بالمثالثة: ثلث يهيمن على ثلثين
لنسلّم جدلاً بأنّ "المثالثة" المذهبيّة صارَ لها الكلمة بدلَ "المناصفة" الحضاريّة، مع أنّ هذا بالضدّ طبعاً من استمرار لبنان الكيان والميثاق والحياة والدور. لكن إذا ما سلّمنا بذلك، ونظرنا إلى الواقع اللبنانيّ اليوم، إختصاراً وابتساراً، بعين "المثالثة" لبرزت المعادلة بشكل واضح وسافر: ثلث يسعى للهيمنة، أو هو يشرع في الهيمنة، أو هو يهيمن ويسعى إلى المزيد من الهيمنة، على الثلثين الآخرين.
في المقابل، يفرز الثلثان الآخران مضادات حيويّة بإزاء مساعي الهيمنة الفئوية. من هذه المضادات ما هو "مشترك" حكماً بين الثلثين المستهدَفين. ومنها ما يتمتّع بطابع "الخصوصيّة" فيبقى داخل كل ثلث على حدة، ويصعب تقاسمه.
وبشكل معاكس، يجهد الثلث المهيمن أو الساعي إلى توسيع أو تأبيد هيمنته، للإستفادة من جملة عوامل موضوعيّة وذاتية تتيح له فرض "الأمر الواقع" بالشكل الذي يُحبِط المضادات الحيويّة لكل من الثلثين الآخرين، وللثلثين الآخرين مجتمعين.
وبشكل رئيسيّ، فقد أمكن للمشروع الهيمنيّ الفئويّ للثلث في مواجهة الثلثين (دائماً بحسب مفهوم المثالثة نفسه)، أن يستثمر هذه العوامل الموضوعيّة والذاتية من خلال نموذجين:
النموذج الأوّل هو فرض "التفاهم المكتوب" على أحد الثلثين. وهذا ما حصل، بعد ساعات من أحداث الشغب في منطقة الأشرفية، من خلال وثيقة تفاهم مار مخايل في 6 شباط 2006. ولـ6 شباط رمزيّة خاصّة معروفة بالنسبة إلى المشروع الهيمنيّ الفئويّ. وهذا النموذج في إحلال عقد هيمنيّ "سلميّ"، لكنّه سلميّ بالشكل الدقيق الذي وصفه العماد ميشال عون في الذكرى السنوية الأولى لـ"التفاهم"، حيث اعتبره "مشروع سلام فعلي معمّد بالدم بعد حرب تمّوز".
أمّا الآلية الرئيسيّة لهذا النموذج الأوّل فهي "التغلغل"، التغلغل الأمنيّ والماليّ والديموغرافيّ والسياسيّ والثقافيّ والرمزيّ، وذلك تحت يافطة "تحالف الأقليّات" على أساس احتكار أقليّة واحدة للسلاح واحتكار فرد واحد من الأقليّة الأخرى للصفة التمثيليّة، لا بموجب إجماع أبناء جماعته، وإنّما بموجب التفاهم نفسه، والسلاح الذي يقيم حجّة التفاهم.
في المقابل، يجد النموذج الثاني في فرض الهيمنة صورته التطبيقيّة المثلى في "إعتصام الساحتين"، الأكثر فداحة من أحداث 7 أيّار نفسها. يستعيد هذا النموذج على طريقته الشعار الماويّ حول "حصار المدن بالأرياف"، فإذا كان "التغلغل" هو الواسطة للهيمنة على الثلث الأوّل المستهدف، فإن الإستنزاف الماديّ والمعنويّ هو الواسطة للهيمنة على الثلث الثاني المستهدف.
لأجل ذلك، ثمّة شروط أساسيّة لمواجهة المشروع الهيمنيّ. الشرط الأوّل هو وعي الثلثين المستهدفين لكل ما يمكن أن تكشفه لهما معادلة المثالثة كما شرّحناها. والشرط الثاني هو وعي كل ثلث بأن طبيعة استهدافه مختلفة عن طبيعة استهداف الثلث الثاني، لكن المشروع الهيمنيّ الفئويّ واحد في الحالتين. أمّا الشرط الثالث فهو وعي الثلثين إلى أنّ العودة إلى "المناصفة الحضاريّة الإسلاميّة المسيحية" وليس الدخول في متاهة المثالثة هو الشرط الوحيد لإحباط المشروع الهيمنيّ، ولتحرير الأثلاث الثلاثة من تبعاته!
هذه الشروط لم تؤمّن بالشكل المطلوب حتى اليوم. هذا أقلّ ما يقال. إلا أنّ الشرط الأوّل أي وعي الثلثين المستهدفين لحقيقة أنّهما مستهدفان صار شرطاً مكتملاً إلى درجة عالية، وبشكل تصاعديّ منذ حرب تمّوز على أقل تقدير. أمّا الشرط الثاني فما زال صعباً الإتيان بوعي عمليّ قادر على تأمين موجباته، في حين أنّ الشرط الثالث ما زال يقطع المسافة الفاصلة بين تبنّيه النظريّ وبين تكريسه العمليّ، سياسيّاً وتعبويّاً.
واليوم، يتوقّف على إعادة تحريك هذه الشروط الثلاثة مستقبل البلد، خصوصاً بعد أن انتقلنا من مرحلة إلى أخرى على مستوى القول.
في "تفاهم" 6 شباط 2006 قيل إن "كل شكل من أشكال الإغتيال السياسي هو أمر مدان ومرفوض لتناقضه مع الحقوق الأساسية للإنسان، ومع أهم ركائز وجود لبنان المتمثلة بالاختلاف والتنوع، ومع جوهر الديموقراطية وممارستها". وجرى التشديد على أنّ معرفة الحقيقة في موضوع الإغتيالات "أمر لا يمكن إخضاعه لأي مساومة، باعتباره الشرط الضروري لإحقاق العدالة وإنزالها بحق المجرمين، ولوقف مسلسل القتل والتفجير". هذا مع واجب "إبعاد هذه القضايا عن محاولات التوظيف السياسي التي تسيء لجوهرها".
أمّا اليوم فيقال "المحكمة الدولية وما يٌعدّ للبنان على هذا الصعيد". الفارق بين النصّين واضح. النصّ الأوّل أتاح مشاركة في صنع إجماع طاولة الحوار على المحكمة الدوليّة. أما النصّ الثاني، أمس الأوّل، فلم يكتف بالتنصّل من هذا الإجماع. الأخطر أنّه قلب العلّة والمعلول. لم يعد "مسلسل القتل والتفجير" هو "ما يُعدّ للبنان" بل المحكمة الدوليّة نفسها. وفي هذا مؤشّر إلى خطورة ما يصل إليه المشروع الهيمنيّ، متترّساً بثلث مستهدَف ضد ثلث مستهدَف آخر، هذا فيما لا يزال موقف رجل واحد، هو البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، يحكم سلفاً على كل هذا "التكتيك" بالفشل.. الذريع.