لعل موقف روسيا في التعامل مع المسألة الايرانية هو الاكثر غرابة، فهي توافق وتتحمّس بفرض العقوبات الدولية على ايران، ولكنها من جهة ثانية تسأل طهران عن احتياجاتها من المشتقات النفطية، وعن طلباتها في ما يخص مفاعلها النووي للابحاث، ويسبق ذلك تصريح للرئيس الروسي يحذر فيه من أن ايران تقترب من صناعة اسلحة نووية، هذا التناقض في المواقف قد يعود لأسباب معروفة، إذ ان موسكو تتماهى مع اميركا لأن لها طلبات، وتريد في الوقت عينه ألا تقطع شعرة معاوية مع ايران بسبب مصالحها الاقتصادية.
… وعلى الارجح فإن الموقف الروسي له أبعاده الاستراتيجية، إذ أن روسيا، الدولة العظمى، لا تتحمّل أن يكون على حدودها دولة نووية مثل ايران، ولها حساباتها في هذا المجال، ومنها مشكلة الشيشان، وهي جمهورية ترتبط باتحاد فيدرالي مع موسكو، وأغلبية مواطنيها من المسلمين، وكذلك داغستان وانغوشيا، إضافة الى سيطرة الروس على عدد من جمهوريات آسيا الوسطى الاسلامية، والتي تتاخم حدودها الجنوبية كلاً من ايران وأفغانستان، وكلها تحاول ايران ان تجد لها دوراً داخلها، باعتبار أن أغلبية سكانها من المسلمين.
.. تاريخياً، ومنذ أيام القياصرة، كانت روسيا حذرة في تعاملها مع ايران، وعندما تشعر بخطر ما كانت تدخلها عسكرياً، وحتى في أيام الاتحاد السوفياتي، كانت عين ستالين دائماً على ايران.
… في هذا المعنى، فإن روسيا التي لن تقبل وتحت أي ظرف أن تمتلك ايران السلاح النووي فإنها لن تدعم أي تقدم لإيران في هذا المجال، بل انها، وحسب ما تقول التقارير مؤخراً، ستدعم أي حرب اميركية ضد ايران لمنعها من امتلاك السلاح النووي.
.. إلا ان السؤال الاساسي والمركزي في هذا المجال هو، لماذا قامت روسيا ببناء مفاعلات نووية لإيران؟
… الجواب متعدد الجوانب، إذ ان روسيا ذهبت الى هذا الامر لأسباب اقتصادية أولاً، ولكنها في الوقت عينه لم توافق أبداً على قيام ايران بتخصيب اليورانيوم، وحاولت أكثر من مرة إقناع سلطات طهران بتخصيب اليورانيوم خارج الاراضي الايرانية، إلا انها لم تفلح، فساومت اميركا وأخذت منها ما تريد، ووافقت بعدها في مجلس الامن على فرض العقوبات.
.. الآن، روسيا تقوم بخطوات لا تنسجم مع كل الوقائع أعلاه، فتعرض على ايران ما يتناقض مع مواقفها المعلنة، والمسألة هنا ليست تذبذباً في التعامل السياسي، بل هي لعبة مصالح على ما يبدو، ما يطرح السؤال الاساسي، ماذا تريد موسكو من اميركا مجدداً لتعيد المساومة على الورقة الايرانية؟
الجواب نضعه برسم الايام أو الاشهر المقبلة، لكن المسلم به تماماً أن روسيا لن تذهب أبداً الى حد تقديم المساعدة الفعلية لإيران، لأن مصلحتها أولاً وأخيراً هي ألا تكون ايران قوة نووية على حدودها، وبالتالي فإن مصالح روسيا الكبرى هي مع اميركا في هذه المرحلة.