قياساً على النمط الذي تتبعه ما يسمّى بالمعارضة، التي هي في حقيقة الأمر «معارضة قيام الدولة»، في مقاربتها للملفّات او القضايا المطروحة في سوق البازار السياسي والاعلامي، او في اللجان النيابية، او حتى الجلسات العامة للمجلس النيابي، يمكن التأكيد بأن البلد ذاهب باتجاه مأزق شديد الخطورة، قد يقارن بنتائج اي حرب تشنها اسرائيل على لبنان، وما يعزز هذا الشعور وهذا التأكيد، ان هناك يومياً، قصة ما، او حدثاً ما، او ازمة ما، تنطلق عفواً او عن سابق تصوّر وتصميم، على ألسنة نواب او قيادات من يسمّون ذواتهم بالمعارضة، وهم في حقيقة الامر يسيطرون بالاكراه، وبوضع اليد، وبالتخويف على اكثر من ثلاثة ارباع مقدرات البلد والدولة، مستندين في تمدّدهم هذا الى منظومة اعلامية عريضة تسيطر بدورها على اكثرية وسائل الاعلام، وخصوصاً وسائل الاعلام المرئية والمسموعة ذات التأثير الاكبر في الناس، بحيث يخلقون من كل حبّة قبّة، ومن كل قضية مطروحة مشكلة وخلفيات، طوراً بالاختلاق، وتارة بالتشكيك، وفي معظم الاحيان من اجل افهام خصومهم والدولة واللبنانيين، انهم اهل الحلّ والربط، ولا تسقط شعرة من رأس اي لبناني الاّ بمعرفتهم ورضاهم، وفوق هذا كلّه يتساءلون، لماذا لم تقف الدولة بعد على قدميها.
هل يستطيع اي بطل من ابطال ما يسمّى بالمعارضة، ان يذكر للمواطن اللبناني، اسم ولو بلد واحد في العالم، تقرّ حكومة الوحدة الوطنية فيه – وهي في الحقيقة حكومة التكاذب الوطني – مشروعاً او اتفاقاً باجماع الوزراء، بمن فيهم وزراء المعارضة، ويأتي نواب المعارضة وينسفون هذا المشروع او هذا الاتفاق في اللجان النيابية او في الجلسات العامة لمجلس النواب، أليس هذا ما حدث بالنسبة الى الاتفاق الامني بين لبنان والولايات المتحدة، وقيل يومها ان وزراء المعارضة وافقوا دون ان يقرأوا، وكذلك بالنسبة الى المساعدات الاميركية الى البلديات والمؤسسات الاهلية والمدنية وما دار حولها من لغط وهواجس وتساؤل قد تكون مبررة لو انها لم تمر في قناة مجلس الوزراء وموافقته عليها، الى ان نصل الى الاتفاق الامني مع فرنسا الذي اقترن بموافقة وتوقيع جميع الوزراء من دون استثناء، وتتم «فرملته» في اللجان المشتركة وربما بموافقة من الوزراء انفسهم الذين سبق لهم ووافقوا عليه. يمكن تقبّل هذا الموقف العجيب، لو اقترن بقرار لقيادات الاحزاب بسحب وزرائهم من الحكومة وتعيين بدلاء عنهم، اما ان تبقى الامور على ما هي، فان المعارضة في ما تفعل، تدقّ مسماراً وراء مسمار في نعش النظام البرلماني الديموقراطي. ويحق للمراقبين عندها ان يشكّوا في أن نية الاجهاز على النظام الديموقراطي قد تكون متوفرة عند الفريق المعارض، والاّ لماذا يبدي رئيس الحكومة سعد الحريري قلقه على التضامن الوزاري لو لم تتكرر لعبة القط والفأر، بين الوزراء من جهة والنواب من جهة اخرى، خصوصاً ان سعد الحريري وهو رئيس مجلس الوزراء يقول بالفم الملآن ان مجلس الوزراء وافق بالاجماع على اتفاقية هي في مصلحة لبنان، فهل ان نواب المعارضة حريصون على مصلحة لبنان اكثر من رئيس الحكومة وهم ممثلون فيها بدزينة من الوزراء؟
اما بالنسبة الى موضوع اعطاء الفلسطينيين حقوقهم الانسانية، كما يفترض ان تكون هذه الحقوق، وليس كما يرغب البعض في توسيعها لتشمل الحقوق المدنية التي من ضمنها حق التملّك، فقد اصبح من نافل القول، ترداد ما تأكد انه حقيقة، ان طرح هذا الموضوع، في الزمان والمكان والشكل والمضمون، كان فخاً منصوباً لتقع فيه العلاقة المسيحية – الاسلامية الطيّبة التي تعمّدت بدم الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقافلة الشهداء الاخرين، وبعرق الجماهير المليونية التي ملأت في 14 آذار 2005 ساحتي الحرية ورياض الصلح، بعد ان فشلت جميع المحاولات لفك التحالف بين تيار المستقبل والاحزاب والتيارات والقيادات المسيحية المنضوية في انتفاضة الارز، والمؤسف ان الذين يزايدون اليوم على هذه الحقوق، يعرفون ان لبنان غير قادر، في جميع المقاييس الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية على اعطاء الفلسطينيين سوى المعقول الذي لا يتسبب في انهيار الدولة اقتصادياً وكيانياً، ولكنهم مع ذلك، ذهبوا في مخططاتهم لضرب الوحدة المسيحية – الاسلامية الى حد تجاوز الخطوط الحمر التي ينفتح بعدها لبنان الكيان والصيغة والعيش المشترك على جميع الاحتمالات واحلاها مرّ، خصوصاً ان الاخبار الواردة من نيويورك مقر الامم المتحدة، تفيد بأن وكالة «الاونروا» التي ترعى شؤون اللاجئين الفلسطينيين مهددة بالافلاس الكامل الى درجة انها قد لا تتمكن من دفع رواتب موظفيها ان لم تسارع الدول المانحة الى دفع ما عليها من مترتبات متأخرة ومقبلة بأسرع ما يمكن، وهذا يعني بصريح العبارة ان اللاجىء الفلسطيني سيصبح مشكلة لبنانية، بعدما يتحوّل من لاجئ الى مقيم، ومن هنا تبدأ المشكلة الكبرى.
هذه هي هواجس المسيحيين التي لا يريد البعض ان يأخذها في الاعتبار، بل يريد ان يقدّم هواجسه ومخاوفه على غيرها من المخاوف والهواجس، ولهذا يصحّ عندها السؤال، هل ان هواجس البعض بسمنة، وهواجس المسيحيين بزيت؟
* * * *
اوردت وكالات الانباء ان علماء بريطانيين، اكتشفوا اخيراً وبعد سنوات طويلة من البحث ان الدجاجة جاءت قبل البيضة.
متى نهتدي في لبنان الى حلّ مشاكلنا ونكتشف ان الدولة الواحدة الموحّدة القوية هي اولاً وأخيراً ؟