#adsense

اتفاقية التعاون اللبنانية – الفرنسية: بين النص والتعطيل (إعداد المحامي جورج أبو صعب)

حجم الخط

في ضوء الاجواء المشحونة التي بثها نواب المعارضة في خلال جلسة مجلس النواب ما قبل الاخيرة حيال مشروع قانون اتفاقية التعاون اللبنانية – الفرنسية والكلام السياسي الذي قيل بحق هذا المشروع المقدم من الحكومة اللبنانية عبر وزير الداخلية زياد بارود، ووضعا للامور في نصابها القانوني والدستوري منعا لامعان بعضهم في الاستمرار في تشويه هذا المشروع ومن خلاله التشويش على العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين تاريخيا وحضاريا، يهمنا ومن منطلق الامانة العلمية اولا وثوابتنا السياسية ثانيا الاشارة الى الملاحظات الاتية:

اولا: دحض مشروع القانون نفسه لادعاءات المعارضين انفسهم بموضوع التعريف الملتبس للارهاب والهواجس الامنية والسيادية وفي هذا الاطار نبرز الاتي:

1- ان نص المشروع خلٍ من اي تعريف للارهاب – ما يعني ان كلتا الدولتين تنطلقان في مشروع الاتفاقية من التعريف الذي تعتمده كل منهما سياديا ومن دون اي الزام قانوني او تعاقدي باعتماد تعريف واحد: ففرنسا تبقى حرة في تعريفها للارهاب، ولبنان يبقى حرا في تعريفه للارهاب وفقا لنص المادة (الاولى – فقرة 2 و3 ) من الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب الصادرة بقرار من مجلسي وزراء العدل والداخلية العرب بتاريخ 22/4/1998 والذي دخل حيز التنفيذ اعتبارا من 7 ايار 1999 وفقا للمادة (40) منها.

وبالتالي ان التعريف الذي يعتمده لبنان رسميا للارهاب لن يتغير بمجرد التوقيع على اتفاقية التعاون الثنائية مع فرنسا، وهذا ما تؤكده المادة (الاولى ) من المشروع نفسه والتي تنص على “… مراعاة الانظمة الوطنية …” واشارتها حصريا من ثم الى النصوص التعاقدية الدولية والموقع عليها لبنان – التي تستند عليها الاتفاقية الثنائية وتثقلها قانونيا (اتفاقية الامم المتحدة الموقعة بتاريخ 19 كانون الاول 1988 وقرار مجلس الامن رقم 1373 تاريخ 28 ايلول 2001 – والمستندين لبنان ملتزم بهما)، وبالتالي ليس ثمة ورود او ذكر لقانون او نظام فرنسي يحدد الارهاب يستند عليه الفرنسيون في اتفاقيتهم الثنائية مع لبنان.

2- ان نص المشروع وضع الضوابط القانونية والدستورية التي تحفظ سيادة البلدين وعدم انكشاف اللبنانيين امنيا وبالتالي يزيل هواجس لبنان. فالمادة (الخامسة) من المشروع تشير الى تزويد كل طرف متعاقد الطرف المتعاقد الاخر “في اطار احترام القوانين الوطنية” باي معلومة تصله حول عمل اجرامي يستهدف الطرف المتعاقد الاخر … وتبقى المعلومات سرية ولا تنقل الى طرف ثالث الا بموافقة الطرف المتعاقد المختص – ما ينفي كليا الكلام المعارض من ان تبادل المعلومات يجعل الامن الشخصي او العام للبنانيين موضع انكشاف ومن ان ليس ثمة ضمان لعدم انتقال تلك المعلومات – لان الاتفاقية نفسها تحول في الياتها دون حصول مثل هذه الخروقات فضلا عن اشارتها الى سمو القوانين الوطنية على نصوص الاتفاقية بصريح العبارة الواردة – ما يريح لبنان سياسيا وقانونيا في حال كان التبادل منافي لقوانينه ومصالحه الوطنية.

والمادة (السادسة) تشير الى امكان الطرفين المتعاقدين توسيع مجالات التعاون عبر تعديل الاتفاق بموافقة الطرفين الكتابية – على ان لا تدخل التعديلات حيز التنفيذ الا وفقا للاجراءات الدستورية الداخلية – ما يعني ان اي توسيع للاتفاقية لا يتم الا بموافقة البلدين الكتابية وبعد اقرار التعديلات وفقا للاصول الدستورية والاصول الدستورية منصوص عليها في الدستور اللبناني بوضوح وقد نصت المادة ( 52) منه على الية عقد المعاهدات الدولية بحيث ان رئيس الجمهورية يتولى عقد المعاهدات وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة على ان لا تصبح المعاهدات مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء. وقد اقر مجلس الوزراء مشروع القانون الخاص بالاتفاقية بموافقة الوزراء الممثلين للمعارضة والمشاركين في الحكومة واحيل المشروع الى مجلس النواب للموافقة عليه قبل ابرامها باعتبار الاتفاقية لمدة خمس سنوات بموجب المادة (العاشرة) من الاتفاقية وبالتالي من نوع المعاهدات التي لا يمكن ان تفسخ سنة فسنة وفقا لنص الدستور المشار اليه.

وبالتالي ان الكلام المعارض الذي يتخوف من تفرد الحكومة مستقبلا في السير بالاتفاقية من دون تصويت مجلس النواب عليه مردود جملة وتفصيلا من واقع المشاركة الوطنية الكاملة في الحكومة ومن واقع النص الدستوري الذي لا يعطي الحكومة تفويض مطلق ولا يؤدي الى تنازل مجلس النواب عن صلاحياته التشريعية – خاصة وان اعطاء الحكومة صلاحيات استثنائية دستوريا يفترض قانون صادر من مجلس النواب ومحدد المواضيع والمدة والصلاحيات – مع الابقاء دستوريا عين مجلس النواب للمحاسبة والتشريع في ان.

3- ان نص الاتفاقية يمنح لبنان حق رفض التعاون مستقبلا بموجب نص المادة (السابعة)، اذا اعتبر لبنان ان تنفيذ طلب التعاون المقدم من فرنسا بموجب هذه الاتفاقية قد يمس بسيادة دولته او امنه او نظامه او قواعد تنظيم وعمل السلطة القضائية فيها او يمس بمصالح رئيسة اخرى لدولته فيحق له ان يرفض هذا الطلب: فكل الضمانات التي تطمئن المعارضين تجتمع في هذا النص من خلال منح لبنان حق ان يقرر سياديا متى يرى هو ذلك ان اي طلب قد يمس باي من الاعتبارات المحددة في المادة المشار اليها. فلبنان يحدد – يقدر – ويقرر من طرف واحد عدم القبول باي طلب يراه ماسا بمصالحه الحيوية. ما يؤكد الهامش الكبير المتروك لبنان في تطبيق هذه الاتفاقية وفقا لمصالحه واولى هذه المصالح الوفاق الوطني الداخلي والمشاركة اللبنانية الجامعة في ادارة الدولة وبالتالي عدم تعريض اي فريق لبناني للخطر او الانكشاف.

4- هذا الحق المعطى للمتعاقدين في رفض الطلب يؤكد قانونيا مرة اخرى المنطلقات المختلفة التي تقر بها الاتفاقية في النظرة الى المصالح الوطنية لكلا الدولتين وبالتالي عدم امكان طغيان اي مفهوم او موقف او اعتبار على مصالح الدولتين المتعاقدتين.

ثانيا: احترام الاتفاقية لمعاهدات لبنان ولا سيما الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب وعدم تأثير احكام الاتفاقية الثنائية على مركز الاتفاقية القانوني : انطلاقا من التحليل القانوني والدستوري اعلاه وما كشفه من زيف الحجج الاعتراضية والمعارضة المقدمة انطلاقا من نصوص الاتفاقية نفسها – نعرض فيما يـأتي امرين اساسيين:

1- السمو القانوني والدستوري للتعريف المعطى للارهاب في الاتفاقية العربية:

أ‌- فيما يتعلق بسمو التعريف العربي القانوني للارهاب لبنانيا، نشير في البداية الى ان اي معاهدة دولية او اقليمية يبرمها لبنان تصبح بموجب قواعد القانون الدولي جزءا من النظام القانوني الداخلي الالزامي مع احتفاظ الدستور بالسمو على سائر مصادر الشرعية والتشريع. فبحسب النظام الدستوري والقانوني الفرنسي ان المعاهدات تحتل المرتبة الثانية بعد الدستور (المادة 55 من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية لعام 1958) بينما في الدستور اللبناني فان النصوص سكتت حيال الموضوع ما يعني تكريس سمو الدستور على سائر مصادر التشريع.

ب- بالعودة الى نص المادة ( 41) من الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب : “.. لا يجوز لاي دولة من الدول المتعاقدة ان تبدي اي تحفظ ينطوي صراحة او ضمنا على مخالفة نصوص هذه الاتفاقية او خروج عن اهدافها …”- ما يعني في المنطق القانوني التزام لبنان الموقع على هذه الاتفاقية بمضمون هذه الاتفاقية ولا سيما تعريف الارهاب ومعاييره المنصوص عليها في الباب الاول من هذه الاتفاقية وقد اكدت المادة ( 26) من معاهدات فيينا لعام 1969 (قانون المعاهدات) على الزامية كل اتفاقية او معاهدة دولية للاطراف الموقعة عليه.

د- بما ان الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب من الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي باتت ملزمة للبنان وبالتالي جزءا من النظام القانوني والتشريعي اللبناني الداخلي، فان احكامها تطبق في وجه اي طرف ثالث يتعاقد معه لبنان ما لم يعدل هذا الاخير تشريعه ما يعني قانونا ان تعريف الارهاب في الاتفاقية العربية بات جزءا من القوانين اللبنانية. وبما انها باتت جزءا من القوانين اللبنانية، فان بامكان لبنان التوقيع بحسب المادة (السابعة ) من مشروع الاتفاقية الثنائية كما صار شرحه فضلا عن المادة (الخامسة) بالنسبة لاحترام مشروع الاتفاقية للقوانين الوطنية ومراعاتها.

ج- ان مبدأ القانون الدولي القائل ان “الاتفاقية اللاحقة تسود على ما سبقها” لا ينطبق في مقارنة الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب مع الاتفاقية اللبنانية – الفرنسية، لان المادة (30) من معاهدات فيينا لعام 1969 اشترطت ان تكون الاتفاقيتان تتناولان الموضوع نفسه: الامر غير المتوفر في هذه الاتفاقية لانها من جهة اتفاقية تعاون في مجالات الامن الداخلي والامن المدني والادارة وليست بالتالي اتفاقية مكافحة الارهاب حصرا – كما الاتفاقية العربية – ومن جهة اخرى لان الاتفاقية اللبنانية الفرنسية في نص مشروعها لم تضع تعريفا جديدا للارهاب، الامر الذي يبقي لبنان قانونيا ودستوريا بحل من اي تعريف غير تعريف الاتفاقية العربية عن الارهاب التي باتت كما رأينا جزءا من تشريعه الداخلي واساسا لنظامه القانوني الجنائي.

2- عدم تأثير الاتفاقية الثنائية اللبنانية – الفرنسية قانونا على مفهوم لبنان للارهاب وعلى التزامات لبنان في الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب ولا سيما على تعريفه. نشير الى الملاحظات القانونية الاتية:

أ‌- كي تلغي اتفاقية او معاهدة معاهدة اخرى – واذا وضعنا جانبا مبدأ التعديل او الالغاء الضمني غير المنطبق على الاتفاقية اللبنانية – الفرنسية للاسباب التي شرحناها في تحليل المادة (30 من معاهدة فيينا التي ناقشناها اعلاه) – يجب ان تذكر الاتفاقية التالية في بند من بنودها الغاء او تعديل بنود او احكام الاتفاقية السابقة – فاذا دققنا في احكام الاتفاقية اللبنانية – الفرنسية نلاحظ ان الاتفاقية خلت من نص كهذا – ما يعني ان الاتفاقية لا تستطيع الغاء احكام الاتفاقية العربية لا كليا ولا جزئيا – بصورة ضمنية.

ب‌- بموجب المادة (39) من قانون المعاهدات (اي معاهدة فيينا لعام 1969) لا يمكن تعديل اي معاهدة الا باتفاق الاطراف – فهذه القاعدة القانونية الدولية تبدو ضمانة قانونية كبيرة على وجهتين: اولى لمنع اي اتفاقية بما فيها الاتفاقية اللبنانية – الفرنسية من تعديل الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب، ما لم تقرر الاطراف العربية الموافقة، هي على تعديلات معينة في الاتفاقية المشار اليها – بحيث لا يمكن للبنان لوحده ان يعدل في نص من نصوص الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب – على افتراض جدلي بوجود نية بتعيدل ما يتناسب والاتفاقية اللبنانية الفرنسية وفقا لاحكام المادة (40 فقرة 4 من قانون المعاهدات ) وثانية لاثبات عدم قدرة فرنسا مستقبلا مثلا في تعديل اي بند من بنود الاتفاقية الثنائية الا بموافقة لبنان.

ج- فضلا عن البنود السيادية التي تضمنتها الاتفاقية اللبنانية – الفرنسية في نص المشروع والتي عرضناها اعلاه – فإن ثمة مادة في ختام مسودة المشروع هي المادة (العاشرة ) التي تنص بوضوح على: “… يحق لكل طرف من الطرفين المتعاقدين ان ينقض هذا الاتفاق في اي وقت – يصبح هذا النقض ساري المفعول بعد ثلاثة اشهر من تاريخ الاشعار عبر الطرق الديبلوماسية الى الطرف الاخر …”

ما يعني ان الاتفاقية حددت اليات الغائها او نقضها بذاتها وفقا لاحكام معاهدة فيينا ولا سيما المادة ( 54) من قانون المعاهدات (معاهدة فيينا 1969) – ما يعطي لبنان هامشا كبيرا من حرية الغاء الاتفاقية في حال اي مساس بمصالحه او في حال اقدام الطرف الاخر على اي مخالفة للاتفاقية – كما العكس صحيح – مع التشديد على ان النص لم يقيد ممارسة حق الغاء الاتفاقية بمدة زمنية بل جاء النص ليؤكد امكان ممارسته في اي وقت، وهذا النقض حددت له اليات تنفيذه عبر الطرق الديبلوماسية ولمدة 3 اشهر كحد اقصى لسريانه . اما الاعمال التي بدأ تنفيذها، فان الاتفاقية تشترط لاستمرارها رغم النقض ان يكون تنفيذها “وفق هذا الاتفاق”، ما يضيق هامش التعسف او ارتكاب المخالفات بحق لبنان – اذا افترضنا ان فرنسا قد تكون المخطئة.

وبالتالي، ومن مجمل الملاحظات اعلاه نستطيع استنتاج ان الضجة السياسية التي افتعلها فريق “8 اذار” وتحديدا نواب تحالف “حزب الله” و”امل” في مجلس النواب منذ ايام كانت الغاية منه ابعد من مجرد معارضة بريئة يراد بها مصلحة لبنان واللبنانيين لان تكييف هذه المعارضة مع واقع النصوص يقودنا الى امر من اثنين: اما ان السادة النواب المعترضين والمعارضين لم يقرأوا نص مشروع الاتفاقية اللبنانية الفرنسية جيدا او لم يقرأوها ابدا – واما قراءتهم لها كانت بايحاءات خارجية للتشديد على عرقلة مصالح فرنسا وعلاقاتها مع لبنان وعلى مواجهة فرنسا لتشددها في الملف النووي الايراني …

وفي كلتا الحالتين … مسكين لبنان بهذا النوع من المشرعين …

بالانتظار نعود ونؤكد كخلاصة لملاحظاتنا ان الاتفاقية اللبنانية – الفرنسية تراعي مصالح لبنان الحيوية ولا تكشف معلوماته ولا تعرض مقاومته ولا تلغي تعريفه العربي للارهاب ولا تتبنى المفهوم الفرنسي للارهاب وتحافظ على سيادة القرار اللبناني وعلى سيادية التحرك اللبناني بما يتناسب ومصالحه وقوانينه الى حد الحق برفض اي طلب تعاون وصولا الى الانسخاب او نفض الاتفاقية في اي وقت.

انها الضجة “المقاومجية” المصطنعة … لان النصوص اصدق بكثير من غوغائية بعضهم .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل