كلّ الأمن خطّ أحمر في لبنان الا أمن الجمهوريّة. لماذا يُثار دائما موضوع الأمن، من قبل من يخرق الأمن، ويملك المربّعات الأمنيّة، ويصادر البساتين لينصب فيها قواعد صواريخ خشبيّة؟ لماذا موضوع الأمن لا يعنيهم عندما يتعارض الأمن مع السّيادة الوطنيّة؟ وهل تحوّل أمن هذا الأمن، الى خطّ أحمر، يُرسم بدماء شهداء أبطال في الجبل والعاصمة وعين الرّمانة وغيرها من المناطق اللبنانيّة التي حملت ذنباً وحيداً هو الإعتراف بأمن الجمهوريّة؟
أسئلة نطرحها ليس بغرض المساس بالأمن كما يصوّرون دائما، بل لنسلّط الضوء على مكانيّة هذا الأمن وزمانيّته. الأمن في كلّ مكان ولكلّ النّاس. ولسخرية القدر هنا في لبنان من يترك بلده ليحفظ أمن لبنان بات هو نفسه بلا أمن. والمضحك المبكي في هذا الموقف هنا، المنهجيّة التي تصرّف بها كلّ أبناء الجنوب في تنفيذ اعتدائهم على قوّات الطوارئ الدوليّة، فنزعوا عنهم صفة: من يحفظ الأمن.
أمّا بعد، أين أمن العاصمة في ظلّ الإجتياحات المتتالية لجماعات تدّعي الحفاظ على الأمن. بالأمس صور كاريكاتوريّة وقرارات حكوميّة لم تعجب خاطرهم فاجتاحوا الشوارع وقتلوا بسكاكين الغدر حتى من كان حليفا لهم. وللحفاظ على الأمن أتى الحليف الاوحد الى منطقة عين الرّمانة مقدّمًا التّعازي للعائلة الكريمة. ولن ننسى كيف برّر بقوله عناصر غير منضبطة. فأين الأمن يا صاحب الأمن؟
والأكثر، يعترفون حينا بأمن الجمهوريّة متى كان هذا الأمن بيدهم. واليوم لا يعترفون حتى بالأمن الدولي وينكرون حقيقة المحكمة الدوليّة ويعتبرونها واقعا مفروضا فقط، وتراهم متسرّعين واقفين شتّامين تحت قوسها، فينقلوا للعالم نموذج الإنسان اللبناني الذي يحترم القانون. لا يعترفوا لا بالمحكمة الدوليّة ولا بأمنها، فكيف سيعترفوا بأمن الجمهوريّة؟
الأمن خطّ أحمر، والجمهوريّة خطّ مضرّج بالأحمر. إنّها قول “لا” ليس للتّاريخ فقط بل للحقّ وللحقيقة نقولها بوجه كلّ هؤلاء الذين ألبسوا الأمن عباءة الفوضى والظلم والتّنكيل وجعلوا منه أداة لفرض ما لا يقبل المنطق والنّظام والعدل بفرضه. فكانت 15 سنة من عمر اللاتاريخ سيذكرها التّاريخ في التأريخ المنشود. على الأقلّ لم ننحن ونوقّع أوراق ذلّ أو حتى أنّنا لم نبدّل تحالفاتنا كما تبدّل الأفاعي جلودها البرّاقة.
سيذكر التّاريخ كيف فاخروا بذمّيّتهم وأصبحوا رأس الحربة في الدّفاع عن ولاية الفقيه، أصحاب اللون البرتقالي الذين انكفؤوا عن مشروع السّيادة في إطار الجمهوريّة وحوّلوه الى سيادة الولاية على حساب أمن الجمهوريّة. وسيذكر التّاريخ أيضًا من تخلّى عن مشروع الجمهوريّة اللبنانيّة على حساب ولاية الفقيه. إن ينسى لن ينسى التّاريخ أن يذكر من أطلق فكرة الإعتدال المسلم الذي يفاخر بعيشه الحرّ مع شريكه في الجمهوريّة المسيحيّ الحرّ غير المرتهن بأوراق ولولايات.
نعم، إنّ أمن جمهوريّتنا من أمن تاريخنا، لن نسمح لأحد بأنّ يخضّ مضجعه الآمن، كما لن نسمح لأحد بأنّ يحوّل علاقة تاريخيّة شهد لها التّاريخ مع كلّ أوروبا، لا سيّما مع الجمهوريّة الفرنسيّة، الى علاقة عداوة بسبب تحديد لكلمة إرهاب لا يختلف عليه فقهاء القانون الا مع جهابزة القانون والتحديدات في مجلس النواب اللبنانيّ.
هذا أمن جمهوريّتنا إمّا أن تقبلوا به وإمّا أن تعلنوا بكلّ شفافيّة رفضكم للجمهوريّة.