كتب محمد طي* في "النهار": أصبح تعيين وتحديد ثم ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، مسألة ملحّة اليوم بعد اكتشاف وجود المواد الهيدروكاربورية من نفط وغاز في البحر الإقليمي والجرف القاري والمنطقة الاقتصادية التابعة لكل من البلدين، وبعد أن عبّر العدو عن مطامعه بحصتنا في المنطقة الواقعة بين مياهنا ومياه فلسطين المحتلة. فما هي الطرق الممكنة لتعيين هذه الحدود؟
قبل البدء بصلب الموضوع لا بد من إيضاح بعض المصطلحات لغير الاختصاصيين.
فالبحر الإقليمي mer territoriale هو اليوم الشريط البحري الممتد من أدنى مستوى الجزر قرب الشاطئ (راجع قضية المصائد النرويجية ص 128) إلى مسافة اثني عشر ميلاً بحرياً.
والمنطقة الملاصقة zone contigue، وهي الشريط البحري الملاصق للبحر الإقليمي حتى مسافة حددتها بعض الدول بـ 12 ميلاً أيضاً، ولدولة الشاطئ في هذه المنطقة بعض الصلاحيات على السفن الأجنبية.
والجرف القاري plateau continental: continental shelf وهو من الناحية الجغرافية المنطقة ذات الانحدار الخفيف الممتدة من الشاطئ باتجاه أعالي البحار وصولاً إلى الانحدار القوي حيث تبدأ الأعماق (Charles Rousseau, Droit international public Sirey 1980 p 427).
ومن الناحية القانونية حددتها المادة الأولى من اتفاقية جنيف (29 نيسان (1958 بـ"أنها أرض البحر وما تحتها من مناطق تحت البحر ملاصقة للشواطئ دون أعالي البحار حتى عمق 200 متر أو بما يتجاوزها حتى حدود النقطة التي يسمح فيها العمق باستخراج الموارد الطبيعية لهذه المناطق".
المنطقة الاقتصادية الخاصة La zone économique exclusive
وهي منطقة بحرية ملاصقة للبحر الإقليمي تمارس فيها دولة الساحل صلاحيات محصورة بها دون غيرها من الدول فيما يخص الموارد الطبيعية، وكان يأتي الصيد في مقدمها. إلا أنه بموجب اتفاق "مونتيغو باي" أصبحت الحقوق تطال أيضاً الموارد الطبيعية الأخرى.
تعيين الحدود البحرية بين دولتين متجاورتين
لكن هذه المناطق لا تكون الدولة دائماً طليقة اليد في تحديدها، لا سيما إذا ووجهت بمعارضة دولة مقابلة أو مجاورة، حيث يصبح الخلاف بين هذه الدول خاضعاً للقانون الدولي وليس الداخلي (راجع القرار المتعلق بالجرف القارّي بين ليبيا وتونس، 24 كانون الثاني 1982)
فإذا كانت الدولتان متجاورتين، فالحل يأتي نتيجة التفاوض فيما بينهما (راجع (Rousseau op.cip.t.3 p 265 et 266 وإن لم تصل المفاوضات إلى نتيجة أو إذا تعذّرت، فهناك بعض القواعد التي يمكن إتباعها، وقد ذكر شارل روسّو منها قاعدتين، هما:
أ- تمديد خط الحدود البرية داخل البحر
(راجع م 1/5 من معاهدة غوادالوب/ هيدالغو- بين الولايات المتحدة والمكسيك لسنة 1848) والتي أخذ بها في الاتفاق السوفياتي/ النرويحي لسنة 1957). وإذا كان هذا الأمر يبدو احتمالاً مقبولاً من بين احتمالات أخرى، إلا أنه يصبح في بعض الحالات غير مقبول. كأن تكون دولة ما تنتهي حدودها بزاوية حادة فيمتد خط الحدود مقابل الدولة الأخرى، كما لو أخذنا خط الحدود البرية بين مصر وفلسطين من خليج العقبة حتى رفح ومددناه في البحر، فانه ينتهي في وسط قبرص.
ب- رسم خط عامودي على الاتجاه العام للشاطئ
(راجع قرار محكمة التحكيم الدائمة 23/10/ 1909 في قضية الحدود البحرية بين السويد والنروج، الذي تكرّرت أحكامه في عدد كبير من القرارات والاتفاقيات وصولاً إلى معاهدة ترسيم الحدود البحرية بين الولايات المتحدة والمكسيك في 23/11/1970). يبدو هذا الحل صعب التطبيق عندما لا يشكل الخطان التقريبيان لساحلي البلدين، الواحد امتداداً مستقيماً للآخر، فينتج عن التقائهما عند نقطة الحدود زاوية، فإذا رسمنا الخط العامودي على خط الساحل التقريبي للدولة الأولى والخط العامودي على خط الساحل التقريبي للدولة الثانية، فقد يفترق الخطان في البحر وينفرجان عن منطقة لا تتبع أياً من الدولتين، أو يحصران منطقة تكون بالنسبة لكل دولة منهما من ضمن مياهها.
فلو حاولنا أن نطبّق ذلك على الحدود البحرية بين فلسطين ومصر، نجد أن الخط العامودي على خط الساحل المصري يذهب باتجاه شمال شمال- غرب، والخط العامودي على الساحل الفلسطيني يذهب باتجاه إلى ما بين الخط الأول والشاطئ المصري.
أما محكمة العدل الدولية فاعتمدت أيضاً طرقاً أخرى لتعيين الحدود المذكورة، ومنها:
ج- الخط الوسط (Médiane)
وهو الخط الذي يبدأ من نقطة الحدود باتجاه أعالي البحار بحيث تكون كافة نقاطه على مسافة متساوية من نقطتي تعليم (repères) متناظرتين على كل من ساحلي الدولتين: (راجع Jean Combacau et Serge Sur، droit international public montchrestien، 2009. P. 424 )
إلا أن هذا الخط يصطدم بثلاثة استثناءات:
1- أن تكون هناك اتفاقات خاصة ببعض مناطق البحر.
2- أن تكون هناك حقوق تاريخية لأي من الدولتين على مناطق معينة (مصائد أو غيرها)
3- أن يكون الواقع الجغرافي للشواطئ مما يصعب معه تصور هذا الخط.
د- المعايير المتعددة
يجب أن تؤخذ بالاعتبار معطيات عديدة، بهدف أن تؤدي إلى حل عادل (المرجع نفسه) وهذا ما كرسته محكمة العدل الدولية في عدد من قراراتها لا سيما الأخيرة خصوصاً في قراراتها حول تعيين الحدود البحرية في خليج ماين (Maine) بين الولايات المتحدة وكندا بتاريخ 20 كانون الثاني 1982، وحول الحدود البحرية بين الكاميرون ونيجيريا بتاريخ 10 تشرين الأول 2002، وحول الحدود البحرية بين الهندوراس ونيكاراغوا بتاريخ 8 تشرين الأول 2007، وحول الحدود البحرية في البحر الأسود بين رومانيا وأوكرانيا بتاريخ 3 شباط 2009.
في الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة
اذا حاولنا تعيين الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، فما هو الحل؟
إن الحلول، كما رأينا ليست دائماً جاهزة أو موحّدة، بل تخضع إلى عدد من الاعتبارات. فقد ورد في قرار تعيين حدود الجرف القارّي بين ليبيا وتونس، أنه تبقى الأولوية للاعتبار الجغرافي: "في كل تقويم المنهجيات واجبة الاتباع، كتقويم القواعد والمبادئ الصالحة للتطبيق، من المهم أن ننطلق من الوضع الجغرافي كما يظهر، وخاصّة من امتداد المنطقة المعنية وخصائصها".
وفي قضية تعيين الحدود بين الهندوراس ونيكاراغوا (8 تشرين الأول سنة 2007)، ينص القرار على أن المعايير، التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار أثناء المفاوضات، يمكن أن تشمل الصورة العامة لشواطئ الأطراف ووجود أي ميزة خاصة أو غير عادية.
وبقدر ما يكون الأمر معروفاً وسهل التحديد، تؤخذ البنية الفيزيائية والجيولوجية والموارد الطبيعية…، كما يؤخذ التناسب المعقول الذي يمكن أن يظهر ما بين امتداد مناطق الجرف القاري العائدة لكل دولة وطول ساحلها المقيس حسب الاتجاه العام لهذا الساحل، وما يمكن أن ينتج عن تحديد قائم طبقاً لمبادئ عادلة، على أن تؤخذ أيضاً بعين الاعتبار النتائج الحالية والمحتملة لأي تحديد آخر للجرف القاري في المنطقة نفسها.
أما إذا خلا الواقع من الاعتبارات التي يراعيها القرار، فيمكن الاعتماد على الجغرافيا مع بعض التصحيح حين لا تكون نتائج التعيين في بعض الحالات غير معقولة.
ففي قضية تعيين الحدود بين الولايات المتحدة وكندا على خليج ماين Maine اعتمدت المحكمة على معايير متعددة وركزت على الجغرافيا مع بعض التصحيح، لما رأت أن بعض النتائج غير معقولة، فقد جاء في القرار: "أن الأفضلية التي لا بد منها هي للمعايير التي تستجيب بشكل أفضل، بطبيعتها المحايدة، لتحديد متعدّد الغرض (Polyvalent). فعلى المحكمة أن تتجه في الدعوى الحاضرة إلى معايير ترتبط بالجغرافيا.. غير أنه من الواجب إجراء تصحيحات لبعض النتائج التي يمكن أن يكون تطبيقها غير معقول" (راجع الفقرتين 195 و196).
وإذا كانت الجغرافيا هي الأساس في عملية التحديد، فهذا يفرض علينا أن نتفحّص ذلك في مسألتنا الحاضرة.
من الناحية الجغرافية هناك امكانيتان يمكن اعتمادهما في موضوع الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة: خط الوسط (Médiane) وحل المعايير المتعددة.
لاحظنا أن الحل المؤدي إلى نتيجة عادلة حسب اتفاقية قانون البحار لسنة 1982، والذي طبقه اجتهاد محكمة العدل الدولية، كان يأخذ بعين الاعتبار معطيات جغرافية تتعلق بشكل السواحل في كل بلد، هل هي شبه مستقيمة أم هي مكونة من مقاطع (Segments) متمايزة؟ (راجع قرار تعيين حدود الجرف القاري بين ليبيا وتونس (الفقرة 75، des hauts-fonds) وهل هناك من مناطق نتوءات صخرية في البحر؟ وهل هناك انعطافات حادة في شاطئ أي دولة باتجاه شاطئ الدولة الأخرى؟ وهل من حقوق تاريخية؟ وهل من اتفاقيات؟…
إن كل هذا غير وارد في المسألة التي نحن بصددها، فهناك فقط ساحلان منفصلان يشكل التقاء الخطين المستقيمين التقريبيين لهما عند الحدود زاوية شديدة الانفراج قد تصل إلى حوالي 175 ْ درجة رأسها على الحدود وهي متجهة نحو البر. وبما أن الوضع مختلف عن كل الحالات الخاصة التي عالجتها محكمة العدل الدولية، فإننا نرى أن نعود إلى الخيارات الخاصّة الممكنة في هذه المسألة. وهنا يمكن أن تُعتمد إحدى الطرق التي مرّ بنا ذكرها على النحو الآتي:
1- أخذ الخطّ العامودي على الاتجاه العامّ للشاطئ
2- تمديد الحدود البريّة داخل البحر
3- أخذ خط الوسط ( médiane)
في الحالة الأولى: إن خط الاتجاه العام للشاطئ اللبناني لا يسير تماماً من الشمال إلى الجنوب بل هو مائل بدرجة بسيطة باتجاه شمال شمال شرقي- جنوب جنوب غربي.
وإذا جرى رسم خط عامودي على الاتجاه العام للشاطئ فلن يكون باتجاه شرق-غرب بل سيكون منحرفاً انحرافاً يسيراً باتجاه شرق شرق جنوب- غرب غرب شمال، وهذا ما يخسّرنا مساحة تأخذ شكل مثلث إحدى زواياه حادة ورأسها على الساحل والثانية قائمة 90 درجة على خط حدود المنطقة الاقتصادية، وهي منطقة تنطلق من الشواطئ بعرض 200 ميل بحري.
ويبدو أن العدو يطرح الحدود على أساس هذا الخط. فيكون رأس الخط في نهاية المنطقة الاقتصادية نقطة على خطّ شرق غرب تحاذي المطلّة. غير أن هذا الطرح غير معقول، لأنه يقضي بأن يؤخذ أيضاً خط الساحل الفلسطيني، ويرسم خط عامودي عليه في نقطة الحدود، فيفترق عن الخط المفترض لحدود المياه اللبنانية، وتبقى هناك مساحة لا تتبع أياً من الفريقين.
في الحالة الثانية: يؤخذ خط الحدود بشكل عام ويمدد في البحر.
ويبرز هنا إحتمالان:
1- أن يبدأ الخط من نقطة عند انعطاف الحدود شمالاً بعد العديسة باتجاه كفركلا- حتى الناقورة، فتكون الحدود البحرية امتداد هذا الخط في البحر،
2- أن يبدأ الخط على محاذاة قرية راميا، بعد منطقة الانتفاخ باتجاه فلسطين المحتلّة، عند قرى يارون رميش عيتا الشعب، ليصل إلى الناقورة ويمتدّ في البحر.
وفي هاتين الحالتين يميل الخط ميلاً يسيراً جدّاً في البحر باتجاه الجنوب، فيكون اتجاهه شرق شرق شمال- غرب غرب جنوب.
في الحالة الثالثة: إن الخط الوسطي (Médiane) بين لبنان وفلسطين يبدأ من نقطة الحدود عند الناقورة ويتجه غرباً وتكون كل نقاطه متساوية المسافة (équidistants) عن نقطتي علام (Repères) تعيّنان على ساحل كل من الدولتين، ويكون بالتالي من حيث المبدأ، إذا مدّدناه باتجاه البر، منصّفاً (bissectrice) للزاوية التي بيناها. مع تصحيح بسيط لصالح لبنان قائم على أساس خط الحدود المائل باتجاه فلسطين المحتلة، وصولاً إلى نهاية حصتنا بالجرف القاري المحاذية لحصّة قبرص.
أما الترسيم، الذي يجب أن ينطلق من هذه المبادئ، فيحتاج إلى عمل فنّيّ، يمكن أن توفّره الأمم المتحدة.
*(استاذ في الجامعة اللبنانية)