#adsense

“الغضب الساطع آتٍ”

حجم الخط

"الغضب الساطع آتٍ"
جورج خوري

 

يتطرق الاستاذ اسعد أبي خليل من خلال مقاربته موضوع الرحابنة الى قضية الوطن البناني ككل، والذي يسمّيه بالوطن "المسخ"، معبـّراً بذلك عن هذا الحقد الدفين الذي يحـّركه ويحـّرك كل مقالاته الشعبوية التي تـّدعي عمقاً وفذلكة وتحاول بشكل من الاشكال التيّمن بالتجربة النيتشاوية في النقد. وهو في مقاله هذا الاخير يـّدعي إكتشاف أبعاد في "الاسطورة الرحبانية" لم يكتشفها أحد من قبله، متناسياً الاطروحات العديدة التي كتبت في هذا المجال وآخرها دراسة الاستاذ فواز طرابلسي التي تتميز، خلافاً لكتابات أبي خليل السطحية، بنقدها المتأني دون الوصول الى التجريح بالناس وبالتراث وصولاً الى التجريح بالوطن. هذا الوطن "المسخ" كما يسميّه أبي خليل، قد اصبح بعد خمسة عقود من التجارب التي لم تخلو من الصعوبات والحروب، حاجة في المنطقة كما بالنسبة لأبنائه من كل الطوائف الذين عادوا فإقتنعوا بصوابية وجود هذا الكيان.

بالطبع يعرف الجميع أن الاوطان هي كيانات إصطناعية تحددها أحياناً الحواجز الجغرافية وأحياناً أخرى الجماعات الاتنية الممتدة عليها، لكن هذا لم يمنع من نشوء الاوطان وإستمراريتها الى أن يتم تحوّلها أو تطويرها مع الزمن. لكن كل الذين ينتمون الى الفكر القومي السوري لا يستطيعون حتى اليوم هضم فكرة هذا "الوطن المسخ" الذي أحبه الرحابنة الى درجة إقتران فنهم به، وإن كانوا مثل أكثرية اللبنانيين، لم يجدوا في هذا الشغف شرطاً لإنعزالهم عن محيطهم العربي وعن قضاياه، لا بل بالعكس، فإنطقوا من حبهم للبنان ليعمموا هذا الحب على الشام، والعراق وفلسطين وغيرها من الاقطار العربية، خلافاً للتجربة "الخليلية" المبنية على الحقد وتدمير المقدسات وتحدّي القيم.

في مجال نقده هذا للرحابنة، يمزج الاستاذ أبي خليل بين السياسة والفن، بحسب التجربة الالمانية لمدرسة فرانكفورت، واصفاً "الطغاة" وأعداء الحرية من أمثال صدام حسين وبشير الجميّل ….. لكن في هذه المجموعة، نحن نسأل لماذا يستثني الكاتب مثلاً حافظ الاسد، صاحب التجربة الناجحة في التسـّلط وقمع الحريات في العالم العربي؟ لماذا في الحديث عن الاجرام الماروني في الحرب الاهلية ينسى ابي خليل مجازر الدامور والقاع والجبل؟ هل الاجرام كان صفة مقترنة فقط بمجموعة محددة في الحرب الاهلية؟ هل هذه النظرة "الجامعية" الاكاديمية الى كتابة التاريخ؟

لكن هنا لا بد من الاشارة الى أن على المثقف أبي خليل أن يقدم بعض الشكر الى هذا "الوطن المسخ" الآخر، الولايات المتحدة الاميركية والتي تنعم عليه بمجال واسع من الحرية يسمح بإنتقادها وإنتقاد كل سياساتها، وهذا كما يدرك أبي خليل جيداً، قد يكون من الصعب عليه القيام به في أي من دول الممانعة" التي يجـّلها. وإلا فإننا ندعوه الى المجيء الى هذه المنطقة، والتنازل عن كرسيه المريح في إحدى أجمل الجامعات الاميركية، ليعـّبر عن "غضبه" الجامح من هنا، من ساحة العركة مع الصهيونية، وإن كان يريد المواجهة الاقسى، فعليه أن يلتحق بإحدى الجامعات في دول الرفض والممانعة، والتي لم يبقى منها إلا "سوريا الاسد"، ليعطي دروساً تنقصنا عن "الغضب الساطع" وكيف يمكن ترجمته الى أفعال حقيقية، كي لا يبقى في إطار النظريات الفلسفية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل