#adsense

” الثقة الدولية بلبنان ” … حذار التفريط بها

حجم الخط

كتب دافيد عيسى في "صدى البلد":

ما كان لبنان ليصمد في وجه المخاطر والعواصف التي ضربته في السنوات الخمس الماضية لولا دعم المجتمع الدولي له واحتضانه لقضاياه وأوضاعه. ولقد اثبتت التجارب ان المجتمع الدولي يهمه استقرار الوضع في لبنان كجزء من استقرار المنطقة، ومهتم لمسألة قيام الدولة في لبنان وبسط سلطتها وسيادتها عل كل أراضيها. وهذا التدخل الدولي الايجابي برز في ثلاث محطات اساسية: الأولى في العام 2005 عندما حدث اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسقط الوضع في دوامة عنف وذعر وفوضى، فتشكلت محكمة دولية خاصة بلبنان وبقرار من مجلس الأمن الدولي للتأكيد ان لبنان ليس متروكاً لمصيره وان الاغتيالات السياسية لن تمر دون عقاب ولا يمكن ان تستمر… والمحطة الثانية في العام 2006 بعد الحرب الاسرائيلية الاجرامية و التدميرية ضد لبنان، والتي لم يوقفها الا القرار 1701 الذي عزّز وجود اليونيفيل ودورها وحوّل جنوب الليطاني إلى ما يشبه منطقة عسكرية مقفلة وعازلة. وطوال اربع سنوات مارست القوات الدولية دورها بكل دقة ودراية ونجحت في اقامة وضع هادىء في جنوب لبنان لم يسبق ان شهد مثله… وأما المحطة الثالثة، فكانت في العام 2008 عندما تكاتفت ارادة دولية مع ارادة عربية واقليمية لإخراج لبنان من مأزق الصراع الداخلي الذي لامس خط الفتنة والحرب الاهلية في 7 ايار، فكان اتفاق الدوحة محصلة لتوافق لبناني داخلي ولتوافق دولي-اقليمي حول لبنان هو الأهم. ولقد حقق اتفاق الدوحة اهدافه الاساسية في رد الاعتبار لمشروع الدولة، وتفعيل مؤسساتها وتعبئة فراغاتها عبر انتخابات رئاسية ونيابية وحكومة " وحدة وطنية "، وايضاً في اطلاق عملية بناء العلاقات اللبنانية – السورية على أسس سليمة وثابتة وواضحة .

حصل في الآونة الأخيرة ما يدعو إلى القلق والحذر ، لأن استمرار الوضع على هذا المنوال سيؤدي إلى التفريط بكل مكتسبات المرحلة السابقة وإلى حمل المجتمع الدولي على اعادة النظر بحجم الاهتمام بلبنان والدعم المعطى له ، وعلى اعادة تقييم سياساته وبرامجه في هذا البلد .

فعندما تتعرض القوات الدولية لمضايقات ويجري الطعن والتشكيك بدورها ومهامها وتُقيّد حرية حركتها، فإن هذه الاحداث تضع " على المحك " مدى التزام الحكومة اللبنانية بالقرار 1707 وقدرتها على الايفاء بالتزاماتها وتطبيقه على الارض، كما قدرتها على تجيير الوجود الدولي لتقوية انتشار الجيش وبسط سلطة الدولة في منطقة لم تطأها اقدام الجيش اللبناني ولا مؤسسات الدولة منذ اكثر من ثلاثين عاماً … ولا يعود مهماً هنا البحث عن اسباب ودوافع واعذار  لأن التعرض للقوات الدولية التي جاءت لحماية لبنان ومساعدة جنوبه ليس مقبولاً تحت اي ظرف واعتبار ، ولأن تطبيق القرار 1701 يمر أولاً عبر تأمين حرية حركة اليونيفيل في منطقة انتشارها وبالتنسيق مع الجيش اللبناني .

من حق لبنان ان يطلب دعماً دولياً وان يحظى برعاية المجتمع الدولي، ولكن من واجبه بالمقابل ان يحترم القرارات الدولية ويطبقها بحذافيرها، فلا يقبل تحريفاً لأهدافها أو انتقاصاً من مفاعيلها وفعاليتها، ويرفض كل ما يمكن ان يؤدي إلى تقويض تدريجي للقرار 1701 وإلى ترويض وتدجين القوات الدولية…

ومن حق لبنان ان يسعى إلى توسيع وتوثيق علاقاته الدولية عبر اتفاقات تعاون وتبادل في كل المجالات، ولكن من واجبه بالمقابل ان يحترم توقيع حكومته على هذه الاتفاقيات وان يلتزم وينفذ ما وقع عليه، لا ان يعمل لاحقاً على نسف الاتفاقيات أو افراغها من مضمونها الفعلي أو اخضاعها لشروط ومواصفات ومعايير أحادية الجانب ومن طرف واحد …

ان ما حصل قبل اسابيع من تجاذبات وضغوط سياسية حول الاتفاقية الأمنية اللبنانية-الاميركية وحصل مثله قبل أيام مع الاتفاقية اللبنانية-الفرنسية، وكانت نتيجته ان الاتفاقيتين اصبحتا بحكم المجمدتين والمعطلتين عملياً، لهو امر يدعو إلى الاستغراب وطرح تساؤلات مشروعة حول مصير الاتفاقيات التي توقعها الحكومة اللبنانية مع دول صديقة تتوخى المساعدة وترسيخ الاستقرار، وايضاً حول مصير الثقة الدولية بلبنان وبمصداقية حكومته وقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة وتنفيذها، وقبل كل شيء ثقة الناس بدولتهم والركون إلى الحماية التي توفرها .

لبنان في ظل اقليمي ملبّد مليء بالتحديات والمخاطر يحتاج أكثر من اي وقت مضى إلى دعم المجتمع الدولي وإلى حمايته. فكلما ضعف هذا الدعم ضعفت الدولة اللبنانية وقويت الطوائف والزعامات عليها واصبح الوضع في لبنان مكشوفاً على كل انواع المفاجآت والتطورات السلبية.

أما ان يفرط لبنان بدعم دولي غير مسبوق تمثل في رزمة قرارات صادرة عن مجلس الأمن، وان تفرط حكومته بمصداقيتها وهيبتها وبمكتسبات وانجازات السنوات الماضية، فإن في ذلك ما يدعو إلى قرع جرس الانذار والتحذير من مغبة وعواقب هذه السياسة التي لا تلتزم باتفاقات موقعة و لا تطبق قرارات سبق ان التزمت بها. وما يزيد في الطين بلة وفي القلق قلقاً ان الارتباك في السياسة والعلاقات الدولية يترافق مع ارتباك في السياسة الداخلية وطريقة التعاطي مع مختلف الملفات والقضايا. فما فتح ملف وجرت متابعته حتى النهاية ، وما طرحت مشكلة وجرى التوصل إلى حلول لها، وما ختم جرح إلا على زغل  حتى غدت حالة الجمود والمراوحة هي سمة الحكومة التي أما ان تغيّر أداءها وإما ان تتغيّر …

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل