من الآن وحتى أيلول يا اخوان، سنصيّف على وقع دربكة الممانعة وطوفان مفردات البأس والشدة والتهديد المبطّن والمكشوف الآتي من أقطابها، وسنمضي سهرات الليالي على وقع أناشيد تزّف إلينا خبريات الوعيد والثبور وعظائم الأمور.. وسيفترض أصحاب تلك المكرمات أن ذلك التهويل الاستباقي قد يوصل إلى مكان غير الذي يُقال انه آت في ذلك الخريف المنتظر.
ولا بأس بكل ذلك. إذ أننا سبق وعايشنا ذلك الجو، وقرأنا كل صفحات كتابه المميز، واستمعنا إلى تغريد طيوره السمان، ورأينا نتائجه المباشرة مترجمة حرقاً ونسفاً ورصاصاً وقنابل.. ثم جلسنا لنرى أن تلك الدنيا الدوّارة الفوّارة لا تستقيم بقرار جِهَوي طرفي واحد، وأن الحروب والبلايا والرزايا التي مرّ بها بلدنا على مدى السنوات الماضية هي تجارب كافيات وافيات ومثل عين الديك صافيات أمام من يريد الغرف منها لقياس حساباته وخطواته وطلعاته ونزلاته وهنّاته غير الهيّنات!
وتلك التجارب يُفترض أن تخبرنا الكثير عن صناعة الأوهام وكلفتها الباهظات على أصحابها، وعن القصور الخطير في افتراض قدرات خارقات مؤطرة بمشاريع مدجّجة بالسلاح والأمن والإعلام والمال والمؤسسات والتنظيرات والكتابات.. ثم بعد هذا بقليل عن النتيجة الوحيدة التي آلت إليها كل تلك المشاريع من دون أي اختراق فيها.
وطبيعي أن يُقال، أن تلك الصناعة كانت تفرز في كل مرة شعوراً ذاتياً بالاستثنائية تجعل صاحب مشروع الوهم يعتقد ويفترض ويحسب انه حالة مختلفة عن سابقاتها، وأنه ليس غيره، وأن شعاراته وطروحاته القاطعة والواضحة إنما هي وليدة حقائق حديدية لا تذيبها أفران المنطق ولا وقائع هذه الدنيا الدوّارة، وأن ما يملكه لم يسبق لغيره أن ملكه، وأن "مصدره" أبعد مدى من قدرة عامة البشر على استيعابه وتلقفه وفهمه، وأن اليد التي ترعاه اصطفته دون سواه لتمد إليه مَدَد النور فيما غيره غارق في العتم؟.
وطبيعي أن يُقال أيضاً، أن الرابط بين كل تلك المشاريع الموهومة لم يكن النتيجة المشتركة التي آلت إليها فقط، بل دمويتها ومأسويتها. فهي نَمَتْ على التشظي وانتشت على الخراب وتبلورت على وقائع العدم وأهواله ونطحت في طريقها كل شيء (كل شيء) كي تصل، من دون أن تنتبه إلى أنها في كل خطوة على ذلك الطريق إنما كانت تقترب من الهاوية فيما هي تظن أنها تصعد إلى قمة الجبل المرتجى.
نصلّي كي تبقى تلك الأوهام في مكانها، وأن ينتبه أصحابها إلى أن الوهم هو عدّة الفن، فيما الفتنة هي عدّة الهزيمة النكراء.. رغم ادعاء الانتصارات الإلهية!