الذين تابعوا تصاعد اللهجة والمواقف والتوتر لدى نواب حزب الله ووزرائه، ولدى حلفائه في تكتل الثامن من آذار، وخصوصاً رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون وبعض نوابه وقياديين في تياره، عند بحث الاتفاقات الامنية بين لبنان وكل من الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا، وطريقة مواجهة القوات الفرنسية في الجنوب، التي هي جزء اساسي من قوات الطوارىء الدولية، والزوبعة الاعلامية التي أثيرت حول شبكة الاتصالات الخليوية، بعد كشف عدد من موظفي شركة «ألفا» وتوقيفهم والتحقيق معهم بتهمة العمالة لاسرائىل والتجسس لمصلحتها، ومن ثم توجت كل هذه المواقف الحادّة بالخطاب الذي القاه امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله لمناسبة يوم الجريح المقاوم، والذي جاء اكثر حدّة وأعلى سقفاً مما سبقه من تصريحات واحاديث وصل الى حدّ اتهام قوى 14 آذار، دون ان يسميها بالاسم، بالتواطؤ مع الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل، وضمناً بالتخوين والتآمر على المقاومة، كما ألمح الى دور ما لفرع المعلومات في قوى الامن، بالتغاضي عما كان يقوم به الموظف في شركة «ألفا» شربل قزي، وعدم كشف عمالته وما كان يقدمه الى الاسرائيليين من خدمات قيل انها كشفت لبنان امام اسرائيل، كل الذين تابعوا هذه المرحلة، خصوصاً بعد خطاب السيد نصرالله، حضرت الى ذاكرتهم المراحل التي سبقت احداث 7 أيار2008، ولجوء حزب الله وحلفائه الى السلاح في بيروت والجبل تحت شعار «السلاح للدفاع عن السلاح»، وقصدوا به سلاح شبكة الاتصالات الخاصة التي اعتبر يومها حزب الله ان قرار مجلس الوزراء بشأنها انما هو ضرب لهذا السلاح وتآمر عليه، وجاء السيد نصرالله في خطابه الاخير ليؤكد ان هذا القرار كان قراراً اسرائيلياً ينفذه لبنانيون، وكذلك فإن قرار انشاء المحكمة الدولية من اجل لبنان هو ايضاً، قرار اسرائيلي.
* * * * *
مما لا شك فيه ان المنحى التصاعدي للأحداث، واسلوب مقاربتها، اعادا البلد الى نقطة الصفر من حيث الانقسام الحاد الذي برز بقوة ليوتر الاجواء مجدداً بين الشيعة والسنّة اولاً، وبين فريقي 14 و8 آذار من جهة ثانية، وهذا الانقسام فرض نفسه بسرعة في ردود عدد من نواب تيار المستقبل وقياداته، التي تميزت بدورها بنبرة عالية من الرفض لما اعلنه السيد نصرالله من اتهامات مبطّنة ومكشوفة، وعلى الرغم من خطورة ما جرى وما قيل، الا ان دخول ميشال عون على خط السجال، المحتدم اساساً، ليصبّ الزيت على النار، هو الاكثر خطورة، لأن من شأن الاتهامات التي اطلقها، وحاول تغطيتها بمعلومات مختلفة منسوبة الى ديبلوماسي غربي، انما هي تحريض مكشوف على فتنة داخلية، تعمّ جميع الطوائف والمذاهب، يحاول ان يجرّ اليها حزب الله ومن معه ويدعمه، فعندما ينقل عون الى دمشق وحزب الله أن هناك مجموعات عسكرية في الداخل اللبناني، وخصوصاً في البيئة المسيحية «تتحرك لفرض امر واقع»، فهو اولاً يحل محل الدولة اللبنانية واجهزتها الامنية، ويتهم مخابرات الجيش وقوى الامن الداخلي ومخابرات حزب الله وسوريا وايران، بالعجز عن اكتشاف هذه المجموعات التي اكتشفها عون وحده مع «صديقه» الديبلوماسي الغربي.
وهو ثانياً يتجاهل عمداً الشرعية اللبنانية المتمثلة برئىس البلاد العماد ميشال سليمان والحكومة ويحجب عنهما هذه المعلومات الخطيرة وينقلها الى دمشق وحزب الله، وكأنهما هما المعنيان بالامن في لبنان وليس الدولة اللبنانية، وهو ثالثاً في تبريره اللاحق كان اشبه ما يكون بالعذر الذي هو اقبح من ذنب، لأن العماد عون لم يكن يقصد كشف المؤامرة ليمنع حصولها، لأنه عندما اعلن «اكتشافه» ناشد حزب الله «اعادة النظر بالتركيبة الحكومية»، اي بنسف الحكومة في هذه الظروف الحرجة، مع علمه باستحالة تشكيل حكومة متوازنة تقبض على الوضع سريعاً، ولذلك «نصحه» «بتغيير قواعد اللعبة»، اي باستخدام القوة لضرب خصومه والاستيلاء على السلطة، على أمل ان تحمله هذه الحركة الانقلابية، اذا وافق الحزب ونفذها، على تحقيق حلمه، الذي لا يتوقف، برئاسة الجمهورية.
حزب الله في هذه الايام، بحاجة، اكثر من أي وقت مضى الى اصدقاء يصدقونه، وليس الى اصدقاء يصدّقونه، وبحاجة ايضاً الى خلوة مع الذات لدرس الاسباب والتصرفات والسياسة، التي تبعد عنه الاكثرية الساحقة من اللبنانيين من غير الشيعة، واذا اراد ان يعرف مثلاً، موقف المسيحيين منه ومن المقاومة ومن الحروب المفتوحة، فعليه أن يسأل ويتحاور مع غير العماد عون والنائب سليمان فرنجيه وغيرهما من النواب والشخصيات المسيحية الذين لا تأثير لهم الاّ في قلّة من المسيحيين، يلتزمون بمواقفهم وضمناً لا يريدونها.
عندما نقل الى حزب الله ان هناك مجموعات عسكرية في الداخل تنتظر عدواناً اسرائيلياً لتتحرك، هل فكّر قياديوه انه اذا كان الكلام هذا صحيحاً، فلماذا لم تتحرك هذه المجموعات في العام 2006 اثناء العدوان الاسرائيلي وكانت الظروف المحلية والاقليمية والدولية مؤاتية أكثر.
وما يصحّ على المسيحيين، ينسحب ايضاً على السنّة والدروز، لأن ما من لبناني عاقل موزون مخلص لصيغة العيش الواحد، يفكر في إلغاء او قهر طائفة معينة او مذهب معيّن، او حتى بالتآمر عليهما، الا اصحاب النفوس الصغيرة الميتة، ولكن الحقيقة التي يجب ان يعرفها حزب الله، وغير حزب الله، ان أي طائفة او مذهب مهما كانا صغيرين، لن يقفا مكتوفي الأيدي أمام أي محاولة لالغائهما او تهميشهما او الهيمنة عليهما وتجريدهما من حقوقهما، وهذه الحالة تدخل عندها في مجال الدفاع عن النفس لا أكثر ولا أقل، ولنا عودة.