الضجيج الكثير الذي يثيره "حزب الله" بشأن المحكمة الدولية الناظرة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لا ينبئ إلا بشيء واحد هو ان الحزب متورط في هذه الجريمة الى أذنيه. فاصوات قادة الحزب لم تخفت نبرتها طوال الفترة الماضية وهي آخذة بالارتفاع تدريجيا بما بنذر بأن الوضع الداخلي بات قاب قوسين او أدنى من الانفجار ولا ينتظر سوى اتخاذ القرار وتحديد الشكل وساعة الصفر.
ولتبيان الامور، فإن أيا من الاطراف السياسيين في البلاد لم يتحدث عن تورط "حزب الله" في الجريمة حتى في عز مراحل الانقسام، بمعنى ان مجرد حديث الحزب عنها بهذا الشكل يمكن اعتباره بمثابة اتهام يكيله الحزب لنفسه من دون مبرر.
وللتذكير، فإن أول من تحدث عن ان المحكمة الدولية ستتهم افرادا من "حزب الله"، بغض النظر عن مجلة "دير شبيغل"، كان الوزير السابق وئام وهاب، وتبعه زميله ميشال سماحة. وإذا سلمنا جدلا ان هاتين الشخصيتين تملكان الحرية للتفكير كما تريدان، فإن رابع المستحيلات ان تكون لديهما الحرية للنطق بأفكارهما من دون مشاورة أولي الامر في "حزب الله".
كما ان وسائل الاعلام المبادرة الى نشر تفاصيل القبض على العملاء وتستفيض في تحليل الروابط بين هؤلاء والمحكمة الدولية، هي نفسها تدور في فلك الحزب، وأقلامها لا تكتب الا "بحبره".
إن مجرد خروج امين عام الحزب السيد حسن نصر الله للقول إن القرار الظني للمحكمة مشروع اسرائيلي، يعبّر عن عمق الأزمة التي يعانيها الحزب، وأنه بمعنى او بآخر استنفذ كل ما في جعبته من امكانيات التوتير في الملفات كافة، فأضطر نصر الله للظهور على تلك الشاشة ليذكر بالسابع من ايار في تهديد علني لا يمكن الظن انه بعيد عن التنفيذ.
بقراءة هادئة، يتبين لكل الذين ظنوا في المرحلة السابقة أن "حزب الله" حاول تعطّيل قيام المحكمة، وأوحى لحليفه رئيس المجلس أن يقفل البرلمان عاما ونصف عام، إنما كان يقوم بذلك خدمة لنفسه وليس للسوريين.
التحذيرات من تكرار سيناريو مشابه لاحداث السابع من ايار ليست عبثية ويأخذها العارفون بالشأن المحلي على محمل الجد، ذلك ان "حزب الله" يشعر بأنه اليوم في موقع المحاصر. اسرائيل التي تتحين الفرصة للانقضاض على لبنان وهي اطلقت التهديدات مرارا في هذا المجال، المجتمع الدولي المراقب لعرقلة كل الاتفاقات التي تعتزم الحكومة المضي بها، اليونيفيل الساكتة على مضض عما جرى لجنودها بتوجيهات الحزب، الامم المتحدة الناظرة في القرارين 1701 و1559، وأخيرا الكلام المتناقل عن احتمال اتهامه باغتيال الرئيس الحريري، وبالتالي تؤكد الاوساط المتابعة أن "حزب الله" بات اقرب الى اتخاذ قرار بعمل ما ليجد لنفسه مخرجا يتيح له التنفس لمدة جديدة.
نظرة لدبلوماسي غربي لا تخرج عن هذا الاطار تقول إن "حزب الله" قد يعمد الى الانقضاض على الساحة الداخلية لأنها الاسهل حاليا، وإشعالها عمليا سيدفع باتجاهين: أولا إشغال السياسيين في البحث عن صيغ للتهدئة من خلال مبادرات اشبه باتفاق الدوحة وثانيا ستعطي الحزب دفعا شعبيا جديدا يؤكد من خلاله لقاعدته الجماهيرية انه قادر على الانتصار على كل المخططات الهادفة لضربه.
لكن الدبلوماسي الغربي يتوقف عند الزيارات التي يتقوم بها قيادات عربية الى لبنان مطلع الشهر المقبل، وينظر اليها على انها قد تكون الفرصة الاخيرة لدرء الخطر القادم. ويقول: "حزب الله" قادر على اختراع الحجج لافتعال اي اشكال وهو سيتنكر لاتفاق الدوحة الذي منع استعمال السلاح في الداخل لأن الحزب اعتاد الخروج على كل القرارات والاتفاقات، فكيف به امام خيار الانهيار او الاستمرار؟".