#adsense

بيّاع الفتن!

حجم الخط

..ثم ما كان ينقصنا يا اخوان إلا تنظيرة جنرال الردح في الرابية للخراب ومشتقاته وزفته ومستنقعاته.
من جديد يطل علينا مذكّراً بأن برنامجه أساساً لا أفق له إلا الفتنة وتوسّلها، والتذاكي في تقديمها، والتنظير الفج والبدائي لحيثياتها، معتمداً أسلوباً يكاد يكون حكراً عليه هو البناء على الأوهام واعتمادها كمعطيات تستوجب الإسراع في تقديمها لأصحاب الشأن، علّ كل ذلك الضنى يوصله إلى حيث يريد.

لم يعد الاستغراب يكفي في هذا المقام: كيف لمتنطح موهوم أن يبني صروحاً لرؤاه على الجماجم والأكفان، وكيف لتلابيب الذات أن تأخذ بصاحبها إلى توسل الانتحار الجماعي طريقاً وحيداً لافتراض رفعتها، وكيف لمدّعي بطولات وصولات تأديبية وإصلاحية أن يراهن على الخراب والدم لترجمة إصلاحاته العتيدة، وكيف لعامل في الشأن العام يدّعى حمل برامج خلاصية لقومه وأهل بلده وربعه أن يطلب الحريق ويغذّيه باعتباره الطريق الوحيد لذلك الخلاص الموعود، وكيف لعامل سوي العقل في السياسة أن يفترض أن البلف يمكن أن يسري على حلفائه وأخصامه على حد سواء، وكيف في الاجمال يمكن لمن يدّعي العلم بأحوال البلاد وأهلها أن يفترض بعد ذلك أن أحداً من تلك البلاد وهؤلاء الأهل يمكن أن "يأخذه" على محمل الجد أو أن يُعتدّ بطروحاته وهلوساته.

تنأى الغرابة ويحضر البؤس والابتذال. وتبان الصورة أكثر فأكثر يوماً بعد يوم وتصريحاً تلو تصريح وتسريبة تلو تسريبة و"خطة" تلو خطة و"مؤامرة" تلو مؤامرة: خواء معطوف على هوس مدمّر لم يترك سابقاً حريقاً إلا وغذّاه، ولم يترك ستراً إلا وكشفه ولم يترك جسراً إلا ودمّره.

بينه وبين المنطق والمعقول والمقبول والتلقائي والطبيعي بحور ومحيطات وجبال شاهقات… ولكن رغم الضحالة المتفشية والرعونة المنتشية بذاتها، فإن للقدر أحكامه الجميلات. ومن أحكامه تلك أنه يمكن للماشي على هذه الأرض أن ينستر تحت واقعة جليلة وكريمة آتية من ألطاف رب العالمين وهي أن لا سلاح في يد ذلك الجنرال وإلا لكانت الحرائق تتغذى من بعضها، ورمادها يحجب شمس الصيف، وأرواح ضحاياها تقفل السماء بزحمتها.

فعل أكثر من ذلك بيّاع الأوهام عندما تحصّن ببعض السلطة فاعتمد الحديد والنار وخطاب الشتم طريقاً بديلاً عن المؤسسات الرسمية والشرعية فتمخطر معه البؤس وتربّع، وخرجت البلايا على الناس توزع منتجاتها بالجملة.

وفعل أكثر من ذلك في محطة النفي عندما لم يترك فعلاً سياسياً طبيعياً واحداً إلا وألبسه ثوب الكيد والتشفّي مطرزّّا بأحقاد تكفي نصف الأرض. وفعل أكثر من ذلك عندما عاد لينسف بنفسه كل انتاجات تلك النفس ويحيلها إلى النسيان مفترضاً بطبيعة الحال أن الذاكرة الجماعية مفخوته لأنه هو قرر ذلك، وأنها لا تنبض بالوقائع لأنه هو قرر تعميتها، وأن البلف في الدم ممكن كما في لعب الورق!
موهوم مصدوم ما عاد له إلا افتراض الفتنة مصحاً لأوهامه وصدماته… وأي مصحّ ذاك وأي دواء فيه؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل