#adsense

منطقان لا يلتقيان

حجم الخط

خضع جوزيف ستالين لانتقادات الأمميّين كما لمدائح القوميّين بسبب الطريقة التي خاض بها الحرب العالميّة الثانية. فعندما هاجم الجيشُ النازيّ روسيا، بعد معاهدة ريبنتروب – مولوتوف، لم يكتف الديكتاتور الشهير بتسريع عمل المصانع الحربيّة المنتجة للطائرات، بل أرفق التسريع بإيقاظ النعرتين القوميّة والدينيّة. هكذا، وعلى رغم إلحاده الصريح وولائه المعلن للأمميّة، بات يستحضر رموز التاريخ القوميّ، كبطرس الأكبر والامبراطورة كاترينا، ويستعيد أيقونات الكنيسة الأرثوذكسيّة ويمنحها الصدارة. وبدل المرشد الحزبيّ للفرق العسكريّة، جيء برجال دين يواكبون المعارك بصلواتهم ودعائهم.

ما فعله ستالين، بغضّ النظر عن الموقف منه، كان متّسقاً مع رغبته في تحويل الحرب مع ألمانيا «حرباً وطنيّة كبرى»، بحسب التسمية السوفياتيّة الرسميّة، حرباً يشارك فيها الجميع بمن فيهم الغلاة في عدائهم للنظام الشيوعيّ، أي القوميّون والدينيّون.

ذاك أنّ منطق الحرب الوطنيّة يقوم على التجميع وعقد التسويات بين أطراف متنازعة متخاصمة. وهذا إنّما يعاكس ويجافي منطق الحرب الأهليّة حيث الانقسام وتوكيد الانقسام هما ما يملي السلوك السياسيّ والدعويّ والتحريضيّ للأطراف المعنيّة. وبطريقته كان ماو تسي تونغ يفعل الشيء نفسه، مقدّماً «التناقض الرئيسيّ» على «التناقض الثانويّ»، وموحّداً صفوفه مع صفوف «الكيومنتانغ» وزعيمه تشن كاي تشيك «الرجعيّين» لمقاومة الغزاة اليابانيّين.

يتذكّر واحدنا هذه التجارب لقادة راديكاليّين وهو يشهد سيل التحليلات والتقديرات حول حرب إسرائيليّة أخرى. والواضح أنّ راديكاليّي لبنان يخلطون بين منطقي الحربين الوطنيّة والأهليّة على نحو ما كان ليخطر في بال القائدين السوفياتيّ والصينيّ.

ذاك أنّ من يسمع الدعوات الرائجة والمتصاعدة عن «البيئة الحاضنة» للجواسيس، وعن عدم جدوى الشراكة في «حكومة وحدة وطنيّة»، وعن ضرورة بتّ مسألة الأمن بالطرق المقترحة، يخال أنّ الهدف ليس «توسيع دائرة الأصدقاء»، بحسب تعبير معروف لماو تسي تونغ، بل «توسيع دائرة الأعداء». يكفي لذلك إلقاء نظرة سريعة على الصحف وشاشات التلفزيون التي تدعو إلى الثأر والانتقام من خصوم سياسيّين قد لا يُحصى لهم عدد، وذلك في بلد وُصف، ذات مرّة، بأنّه بلد التسويات.

وقد يقال، بقدر غير قليل من الصواب، إنّ «الوطنيّ» و «الأهليّ» متداخلان في معناهما اللبنانيّ، تبعاً لاختلافات عميقة في تشكّل الجماعات وثقافاتها الفرعيّة. لكنْ إذا صحّ التقدير هذا، غدا السؤال عن جدوى الموقف الراديكاليّ وعن معناه، مطروحاً بقوّة. إذ كيف نذهب في «الوطنيّة» إلى هذا الحدّ الأقصى مصحوبين بأكثر من تعريفٍ اختياريّ لـ «الوطن» و «الوطنيّة»؟، وكيف يجوز أن تتساوى مفاعيل «الوطنيّة» ومفاعيل النزاع المفتوح بين أبناء «الوطن الواحد»؟.

أليس مدهشاً أنّ أصحاب التوقّعات المقلقة يتحدّثون عن حرب إسرائيليّة وعن فتنة مذهبيّة في آن معاً، ولا يظهر هناك من يكذّب توقّعاتهم؟.

إنّ العمل على تجنّب الكوارث يستحقّ المراجعات القاسية والتسويات الموجعة. هذا ما فعله كثيرون، في أمكنة كثيرة من العالم، قبلنا!

المصدر:
الحياة

خبر عاجل