كان لافتا ما نشرته صحيفة "السفير" عن لسان المدعي العام في المحكمة الدولية القاضي الكندي دانيال بيلمار في عددها الصادر يوم الثلاثاء 20-7-2010، بحيث بنت السيناريو على مصادر لم نعرف مدى صدقيتها، خصوصاً انها تحدثت عن معلومات رسمية بوجود جولتين على الاقل من القرارات الظنية ستصدر تباعاً بدءاً من شهر ايلول المقبل وحتى نهاية العام الحالي. والملفت ايضا انها ادعت ان بيلمار اعرب عن القلق المستمر من احتمال عدم تقديمه حجة قانونية قوية عند صدور القرارات الظنية وبدء المحاكمة فعلياً، فكيف لقاض ان يصدر قرارا ظنيا اذا كان هو نفسه يشك بحججه؟ كذلك هل اصبح دور القيادات العسكرية اللبنانية أبلاغ بيلمار بطريقة غير رسمية؟ ولم ندرك إن كان كلام بيلمار منقول حرفياً ام استنسابياً؟ الامر الذي يدفعنا الى السؤال هل معلومات "السفير" تندرج في الهجوم الاستباقي على المحكمة الدولية لضربها والإجهاز عليها قبل ظهور نتائج عملها الى العلن؟ هذا نص مقال السفير:
كتب جو معكرون في "السفير من واشنطن تحت عنوان: "المدعي العام: الجيش اللبناني أبلغنا أنه لن يعتقل أي عنصر من "حزب الله" بيلمار في نيويورك وواشنطن: مصير المحكمة الدولية و"نظرية اللعبة"
قبل حوالى شهرين من الزمن، انعقد لقاء مغلق في "معهد الولايات المتحدة للسلام" في العاصمة الأميركية شاركت فيه جهات حكومية اميركية وممثلون عن قيادات في الكونغرس الأميركي وعن مراكز أبحاث تتابع الملف اللبناني تمّ خلاله بحث مصير العلاقة بين رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري و"حزب الله" في ضوء ما يجري حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
في هذا المعهد البحثي، الذي يموّله الكونغرس، جرى تمرين على "نظرية اللعبة" أو Game Theory طًرحت فيه سيناريوهات الداخل اللبناني المحتملة في حال إدانة عناصر من "حزب الله" بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأســـبق رفيق الحريري.
و"نظرية اللعبة" هي دراسة علمية لاتخاذ القرارات في الظروف المعقدة ومحاولة توقع النتائج استناداً الى نماذج تفاعلية بقصد تكهن كيف ستؤثر قرارات جهة ما على تحركات الآخرين. الاتجاه او الافتراض العام بين المشاركين خلال هذا النقاش النظري في اللقاء المغلق، كان اتهام عناصر من "حزب الله" في مكان ما بالضلوع في اغتيال رفيق الحريري، وكانت هناك بالتالي محاولة فكرية لتنبؤ ما سيكون رد فعل كل من "حزب الله" وسعد الحريري وكيف سيؤثر أي قرار اتهامي على العلاقة بين الطرفين، وهو روتين فكري تقوم به الإدارة الاميركية بشكل دوري في مسار صياغة سياساتها الخارجية.
خرج افتراض تورط عناصر من "حزب الله" في اغتيال الحريري بشكل جدي الى العلن مع تقرير "دير شبيغل" في أيار 2009، لكن التداول في هذا الموضوع داخل اروقة الادارة الاميركية كانت بدايته في نيسان 2008 بحسب مسؤول اميركي سابق رفيع المستوى عمل في الإدارة خلال هذه الفترة، وعبر المسؤول المذكور لـ"السفير" عن مدى ذهوله من "مدى دقة" تقرير "دير شبيغل" عند صدوره في العام الماضي، وهو مبني بحسب التقرير على رسم تخطيطي لشبكة الاتصالات الخلوية توصل اليها رئيس الفرع الفني في شعبة المعلومات النقيب وسام عيد (اغتيل بتاريخ 25 كانون الثاني 2008).
المدعي العام في المحكمة الدولية القاضي الكندي دانيال بيلمار توجه الى الولايات المتحدة في الاسبوع الثاني من شهر تموز الحالي في زيارة ظلت بعيدة عن الأضواء، وتوقف في نيويورك ثم في واشنطن في 8 تموز حيث التقى مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان وسفير قضايا جرائم الحرب في وزارة الخارجية الأميركية ستيفان راب والمستشار القانوني في الوزارة هارولد كو. العنوان الرئيسي لهذه الزيارة كان طلب مساعدات اميركية لتمويل اعمال المحكمة الدولية في ضوء قلق بيلمار ان الحكومة اللبنانية قد لا تدفع حصتها المالية لتغطية 49 في المئة من نفقات المحكمة.
بعيداً عن هذه الزيارة الروتينية الى واشنطن، اللافت للانتباه كان الكلام الذي قاله دانيال بيلمار في لقاءاته في نيويورك، بحيث أفادت معلومات رسمية حصلت عليها "السفير" انه ستكون هناك جولتان على الاقل من القرارات الظنية ستصدر تباعاً بدءاً من شهر ايلول المقبل وحتى نهاية العام الحالي.
الجولة الاولى ستطال بين ثلاثة الى خمسة عناصر من "حزب الله" والجولة الثانية حوالى 20 من ضمن تسمية مترابطة في التحقيق، بحيث سيرتفع تدريجياً مستوى ورتبة عناصر الحزب الذين ستطالهم القرارات الظنية بدون تسمية قيادة "حزب الله" او إصدار قرارات ظنية بحقها. أكد بيلمار ايضاً انه لا يوجد اي اسم سوري في القرارات الظنية معرباً عن قلقه بأنه سيُنظر الى هذا الامر على انه "تبرئة لسورية".
الرواية المتداولة في نيويورك وفي المحكمة الدولية ان هذا الرسم التخطيطي لشبكة الاتصالات الخلوية تم تقديمه عام 2006 في عرض الكتروني "باور بوينت" امام المحقق الدولي السابق في القضية القاضي سيرج برامرتز الذي لم يتابع التحقيق في هذه المعلومات او لم يأخذها بجدية بحسب الرواية نفسها. لكن بعدما استلم بيلمار منصب المحقق الدولي، قرر الأخذ بهذا الرسم التخطيطي وكانت بداية التحول في مسار التحقيق.
المعركة القضائية المشروعة التي يخوضها المدير العام الاسبق لجهاز الأمن العام اللبناني اللواء جميل السيد في لاهاي تهدف في مكان ما الى طرح الشكوك حول مصداقية المحكمة الدولية وسلوكها طريقا أدى الى اعتقال الضباط الاربعة بدون أدلة ملموسة. ولم يخف القاضي بيلمار غضبه من سماح المحكمة الدولية لجميل السيد بالمضي قدماً في قضيته.
ويقول بيلمار ان لديه ما يكفي من الادلة لدعم ستة او سبعة اتهامات في القرارات الظنية، لكنه يعرب عن القلق المستمر من احتمال عدم تقديمه "حجة قانونية قوية" عند صدور القرارات الظنية وبدء المحاكمة فعلياً، في وقت يبدو فيه ان الحجج القانونية ستتحول عند الوصول الى هذه المرحلة من الشهود الى الخلوي. وذكر بيلمار ان قيادات عسكرية لبنانية أبلغته بطريقة غير رسمية أن الجيش اللبناني لن يتحرك اذا وجهت الاتهامات الى "حزب الله" ولن يعتقل أياً من عناصر الحزب التي قد تصدر بحقها هذه الاتهامات.
وبالعودة الى واشنطن، يرفض المسؤول الأميركي السابق التعليق على التحقيق الدولي الذي يجريه بيلمار لكنه يتابع قائلاً: "كان واضحاً بالنسبة الينا منذ فترة انه لم يكن السوريون وراء الاغتيال، لكنهم ربما علموا بالأمر على الأقل".
وردا على سؤال حول مصداقية هذه المحكمة بعد تجربتها الاولى، يوافق المسؤول الاميركي ان هناك غموضاً حول ما حصل خلال التحقيقات الاولية في اغتيال الحريري وهناك تساؤلات حول ذهاب التحقيق الى هذا الاتجاه في البداية.
وعن الدوافع السياسية لدى "حزب الله"، يقول هذا المسؤول: "لا نعرف بعد، هناك سيناريوهات كثيرة فكرنا فيها، لكن لا أعتقد اننا نعرف تحديداً بعد".
بيلمار طلب خلال لقاءاته في نيويورك من المجتمع الدولي أن "يفعل ما بوسعه في الردّ على هجوم حزب الله على المحكمة الدولية" من خلال بيانات او تصريحات علنية.
أما في ما يتعلق بزيارة واشنطن، فقد اكتفت الادارة الاميركية بالاستماع والاستيضاح من بيلمار ولم يتطرق الكلام الى التحقيقات التي يجريها المدعي العام.
في نهاية المطاف، يؤكد مسؤول اميركي فضل عدم الكشف عن هويته ان بيلمار يزور العاصمة الاميركية بين الحين والآخر لطلب مساعدات مالية، لكن محاولاته "لا تؤتي ثمارها"، معرباً عن اعتقاده ان الإدارة تحاول ترك مسافة من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كي لا تؤثر سلباً على عملها.
وعن المقاربة الأميركية حيال لبنان عند صدور القرار الظني، يؤكد المسؤول الأميركي نفسه "لا أتخيّل ان سياستنا ستتغير".