ما يثير الذهول في الازمة الزاحفة وصخب التصعيد الكلامي هو ان يضحي المواطن اللبناني آخر هموم المنخرطين بنهم شديد في هذا الصخب، فيما هو عرضة لخطر هائل مزدوج من جراء ما يتلقاه من "معلومات" مفزعة عن خرق شبكة الاتصالات الخليوية.
فثمة خطر الاستباحة الاستخباراتية الاسرائيلية التي يقال انها تتسم بطابع شمولي غير مسبوق مما يعني ان اي حامل لهذا الهاتف "المحمول" صار هدفا اسرائيليا محتملا في ذاته. وثمة خطر آخر هو ان عامل الاختراق الاسرائيلي صار بدوره حافزا اضافيا لا مرد له للاجهزة الامنية اللبنانية في توسيع غير محدود لترصد الاتصالات وتعقبها.
وبكل بساطة وخطورة في آن واحد، يجد اللبناني "العادي" نفسه امام "جاسوس" افتراضي يلازمه كجلده 24 ساعة يوميا في ادق "حميمياته" و"خصوصياته" مقوضا امنه وسلامته من جهة الاختراق الاسرائيلي وجاعلا منه هدفا محتملا للتعقب ولو "على الشبهة" من جهة الوقاية الامنية اللبنانية. هو شعور مفزع لان الازمة المنفجرة من زمان وليس من الاسبوع الماضي، وتحديدا منذ بداية كشف الشبكات المتعاملة مع اسرائيل، لم تشكل بعد حافزا كافيا للسلطات المعنية، سياسية كانت ام امنية ام فنية بما فيها شركتي الخليوي، لتنوير الناس وكشف مكامن الخطر وتوضيحها كأن المسألة اولوية سياسية فقط وكأن جلّ الامن اللبناني يرتبط بمماحكات الصراع السياسي وتبييض وجوه وتسويد وجوه وتمريك نقاط هنا وهناك.
حتى التقرير الذي نشرته "النهار" لقوى الامن الداخلي في مسألة المتهم في شركة "ألفا" يثير بذاته ذعرا "مواطنيا" من زاوية التقنيات المتبعة في الترصد والتتبع والملاحقة.
يفيد هذا التقرير الى اقصى الحدود ليس في الناحية التي فرضت وضعه، وهي ناحية متصلة بالصراع السياسي والكلامي والامني، بل اكثر من ناحية "تعريف" الناس بوضوح بمدى "خطورة" هذه "الاداة" المحمولة وقدراتها التقنية في تحويل حاملها هدفا امنيا مستباحا في اي لحظة. واذا كان الهجوم الاستخباراتي الاسرائيلي يسقط بطبيعته اي اعتراض محتمل على واجب الاجهزة الامنية في تسليط تقنيات الترصد والتعقب والتنصت وتحديد المكان الجغرافي للمتهمين بالتعامل وسواهم في اي حالة امنية اجرامية موصوفة تستدعي مثل هذه الاساليب التي يوردها التقرير، فان ذلك لا يسقط مدى القلق الهائل الذي يعتري مواطنا لا ناقة له ولا جمل بكل هذا "العالم" التجسسي المفزع الذي يحولك كائنا مرشحا للاستباحة بالكامل.
اغلب الظن ان هناك مئات ألوف اللبنانيين، ان لم يكن اكثر من نصف الشعب اللبناني، لا بد من ان يعتريهم ذعر "المحمول" وهم يتلقون بالتواتر يوميا موجات هذه الظاهرة، ولا تكلف اي جهة نفسها عناء الالتفات الى هذا التفاعل المخيف.
ان كان ترصد الاجهزة الامنية للمتعاملين وكشفهم واجبا بديهيا للسلطة، فالوجه المقابل لهذا الانجاز الذي لا يمكن احدا التنكر له او التقليل من اهميته وانعكاساته على تصليب القدرة الدفاعية للدولة في مواجهة حرب استخباراتية اسرائيلية هو مزيد من الشفافية المطلقة في كشف كل مكامن الخرق على حقيقته وعدم ترك الناس تحت وطأة الاقاويل والاجتهادات والتكهنات وفي الوقت نفسه تحت خطر الاستباحة المعادية. كما ان الوجه الملاصق لهذه الناحية هو تحلي السلطة بأقصى موجبات احترام الحصانة القانونية التي هي من حق المواطن في موجة امنية كهذه خصوصا بعدما دمرت ظاهرة التقدم التكنولوجي في عالم الاتصالات كل خصوصيات الناس وحرماتهم.
فأين هذه المنظومة اللازمة للتوفيق بين موجبات الرد الدفاعي على الاختراق الاسرائيلي وتنوير المواطنين؟
لعلنا نصل الى يوم لا يبقى معه سوى العودة الى "الحمام الزاجل" وسيلة امان وحيدة للنجاة من هذا العالم الاستخباراتي والتقني غير "المحمول" اطلاقا.