عام ونصف والعالم لم يشهد حرباً جديدة ولم يشهد تسوية لأي نزاع
"احتباس العنف" إقليمياً ودولياً توطئة لمشهد لا يوحي بالتفاؤل
يشهد العالم حالة يجوز وصفها بـ"احتباس العنف". فمنذ الحربين، الروسيّة على جيورجيا، والإسرائيلية على قطاع غزّة، لم يسجّل منذ سنة ونصف، أي نزاع مسلّح يمكن أن يرتقي إلى منزلة "حرب"، طبعاً إذا ما استثنينا حرب الإستنزاف الدائرة رحاها منذ تسعة أعوام في أفغانستان وبعض الباكستان بين القوّات الأميركيّة والأطلسيّة من جهة وبين مقاتلي حركة "الطالبان" من جهة أخرى، ويضاف إليها بعض جولات الحرب الأهليّة الصومالية المزمنة، فيما يعطي المشهد العراقيّ إنطباعاً بـ"أفول العنف".
في الوقت نفسه، يعني خلوّ الفترة الماضية من الحروب على الصعيدين الإقليميّ والعالميّ ازدهاراً لفكرة "السلام الدائم"، أو اتساعاً في احترام وتطبيق "القانون الدوليّ". كما أنّ هذه الفترة تتصف عموماً بركود الموجة الأخيرة من التوسّع الديموقراطيّ باتجاه الشرق، من تصدّع "الثورة البرتقالية" في أوكرانيا، إلى نكبة مثيلتها في جيورجيا، إلى أزمة الحركة الإستقلالية في لبنان، وقبل كلّ شيء آخر نكبة "الثورة الخضراء" في إيران.
ولم تشهد هذه الفترة الخالية من الحروب أي إنجاز تسووي لأي من الملفات النزاعية العالقة في مشرق الأرض ومغربها، بل إنّ تسوية هذه الملفات ازدادت عسراً وتعقيداً، خصوصاً في ما يتعلّق بعملية السلام في الشرق الأوسط، في ظلّ حكومة بنيامين نتنياهو الرعناء.
على العكس تماماً، شهدت هذه الفترة ارتفاعاً ملحوظاً في معدّل التوتّر، من الشرق الأوسط وصولاً إلى شبه الجزيرة الكوريّة، وعاد الحديث بجديّة وقوّة عن احتمالات إعادة استخدام السلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل في النزاعات المقبلة، وتحديداً في ما عنى الأزمة بين ايران والغرب.
بشكل عام، ازدهرت وتيرة "التوعّد بالحروب" في هذه الفترة الخالية من الحروب. وفي المقابل، لا يجوز إسقاط مسار إستراتيجيّ جديد يتّصل بالعلاقات الروسيّة الأطلسيّة، والروسيّة الأميركيّة، حيث تراجعت أميركا عن مرحلة التشدّد البوشيّة في ما عنى نشر "الدرع الصاروخيّ"، وأعادت روسيا في المقابل تموضعها، وتحديداً حيال الملف النووي الإيرانيّ، باتجاه بات يقلق النظام الايراني بشكل فعليّ.
بمعنى آخر، يمكن القول إنّ الفترة التالية مباشرة لنشوب الأزمة الإقتصادية والمالية العالمية اتسمت بخلوّها من الحروب، وبارتفاع ملحوظ في معدّل التوتّر على الصعيد العالميّ، وبشكل أساسيّ في ما يتعلّق بالعلاقات بين "العالم" من ناحية وكل من كوريا الشمالية وإيران من ناحية أخرى.
وهذا "التوتّر" ليس أبداً من النوع الذي يستعاض من خلاله بالعنف الكلامي والرمزيّ والردعيّ بديلاً عن العنف الفعليّ والتدميريّ والدمويّ. هذه الفترة حبلى بنزاعات تنتظر. في الوقت نفسه، فإنّ هذه النزاعات لا تنفجر من فرط تراكم المؤشّرات الموحية بها، وإنّما لها أن تنفجر من ضمن سياق أكثر شموليّة، وهذا السياق يتمثّل بسمتين أساسيتين:
السمة الأوّلى هي تراجع غير قليل في قدرة الولايات المتحدة الأميركيّة على خوض حروب جديدة فيما هي لم تفرغ من حربي أفغانستان والعراق، وتراجع غير قليل في قدرة الولايات المتحدة الأميركية على الحفاظ على مشهدية "الغرب الأطلسيّ الموحّد" التي على أساسها جرى كسب الحرب الباردة. هذه السمة تمنع القوى المعادية للولايات المتحدة، شأن منظومة "الممانعة" التي تقودها إيران في الشرق الأوسط، من وعي "حدودها"، ومن عدم تجاوز "الخطوط الحمراء" التي عجز صدّام حسين، ثم سلوبودان ميلوسوفيتش، ذات يوم، عن عدم تجاوزها. ثمّة من يتخيّل في معسكر "الممانعة" الإقليميّة، وفي ما يعادله في الأقاليم الأخرى من العالم، بأنّ هذه المرحلة لن تتكرّر، وأنّه ينبغي اقتناص "الفرصة التاريخية" للإنقضاض!
أمّا السمة الثانية فهي إدراك عدد متعاظم من الدول، بأنّ الأخطار الإستراتيجية التي ربطها المحافظون الجدد بالولايات المتحدة بصفة شبه حصرية، لا تنحصر بالولايات المتحدة وحدها، بل هي أخطار إستراتيجية تتهدّد الغرب عموماً، وروسيا كذلك الأمر، وحتى الهند والصين. بالتالي فإنّ الدول ذات المصلحة في "عالم متعدّد الأقطاب" باتت تدرك أكثر فأكثر ضرورة التمييز بين هكذا عالم وبين "عالم يسرح في الفوضى والعماء" كذلك الذي يحلم به الممانعون، والفوضويّون، ومناهضو العولمة، وأحبّاء الأصالة.
هاتان السمتان مرشّحتان للبروز أكثر فأكثر في المرحلة المقبلة. في الوقت نفسه، فإن فترة "العالم الخالي من حروب جديدة" هي فترة جد محدودة إذا ما نظرنا بعين التاريخ، والدوافع نصف الطبيعية ونصف التاريخية التي تدفع الكائن البشري إلى الإحتكام إلى تلك المؤسسة الدائمة: مؤسسة الحرب. إن احتباس العنف محلياً وإقليمياً ودولياً منذ سنة ونصف على الأقل هو مشهد لا يوحي بالتفاؤل، وإنّما يمكنه أن يطلق العنان لكل المشهديات الإنتظارية المرعبة – الرؤيوية.
وفي ما عنى هذه المنطقة من العالم، فإنّ أي انفجار لنزاع محدود أو معمّم سيخضع بالضرورة لجميع هذه المحدّدات، اي إنّ انفجار أي نزاع، من أي نوع في هذه المنطقة سيعني وبشكل سريع نسبياً انقضاء الفترة الوجيزة الخالية من الحروب الجديدة، لصالح موجة من الحروب المتنقلة عبر الكوكب والتي ستتحدد على أساسها طبيعة القرن الحادي والعشرين.
هذا إن أردنا المجازفة بالنظر إلى المشهد في تاريخيته وعالميته، والتزمنا عدم التعليق على الوقائع الملتبسة لانقلاب "العنف الكلاميّ" من طرف "عسكر الممانعة" في لبنان الى "وعيد" بعد أن اكتفى في المرحلة الماضية بعنف "الزجر" وحده.