بعدما قيل وما صدر من مواقف ردا على كلام السيد حسن نصرالله الاخير في يوم الجريح المقاوم، نرى ان ثمة الكثير الكثير مما لم يقال ردا على ما قاله الامين العام لـ"حزب الله" الى الان ولعل ابرز ما لم يقال ان السيد حسن في مواقفه التفجيرية الاخيرة للوضع الداخلي انما دان حزبه بنفسه في وقت ما من لبناني يدينه ولا يفكر حتى في ادانته، لاننا نربأ بحزب لبناني ان تكون يديه ملطخة بدماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
ولكن وامام فظاعة ما صدر عن امين عام "حزب الله" نرى من واجبنا لفت نظره الى الحقائق الاتية:
اولا: ان الامين العام للحزب في موقفه الاخير من المحكمة الدولية والربط مع شبكات التجسس الاسرائيلية المكتشفة في لبنان يدين حزبه قبل اي طرف اخر وحتى المحكمة الدولية والمدعي العام بلمار. فامعان الامين العام في انتفاضته وثورته على المحكمة الدولية يؤدي في الواقع الى زج حزبه في عملية انقلاب غير مبررة على المحكمة الدولية والشرعية الدولية جازبة للشكوك والتساؤلات و"حاضنة" للتشكيك بالحزب، في وقت انبرى احد نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" منذ ايام ليطلب وبالحاح باحالة ملف شبكات التجسس الاسرائيلية في لبنان على منظمة الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي "باسرع وقت" …
كما ان امعانه في هجومه على المحكمة الدولية وكأن ثمة حكم مبرم صدر عنها ضد الحزب في وقت لم يصدر لا قرار ظني ولا حكم ضد الحزب الى الان، وما من احد يستطيع التأكيد ان القرار الظني سيتهم "حزب الله" – ما لم يكن للحزب "جواسيسه" داخل المحكمة تجعله يعلم بخفايا امور لا نعتقد بانها حقيقة بل من نسج المخيلة والتكهنات …
فتهجم الامين العام للحزب على المحكمة الدولية فضلا عن انه يدخل الشك في النفوس لشدته وضراوة العداء الذي بات يكنه السيد حسن للمحكمة الدولية والمدعي العام بلمار – الى حد اعتبارها مشروعا اسرائيليا – يطرح اكثر من علامة استفهام بشأن دور الحزب في الجريمة والاغتيالات اللاحقة والا فلما هذه الهجمة "الكاسرة " على المحكمة واعمالها ودورها؟
فهل السيد حسن في هذا الوارد ؟؟؟ ام انه قرر ان ينصب نفسه قاضيا ويصدر الحكم المبرم باسم المحكمة على المحكمة ليسقط العدالة الدولية التي لطالما طالب بها "حزب الله" لمناصرة المظلومين والمستضعفين ؟؟؟
ثانيا: ان نهج الحزب والسيد حسن اليوم في تعاطيهما مع المحكمة الدولية لاكبر خدمة يؤديانها للعدو الاسرائيلي: انطلاقا من تهديدات وتوقعات رئيس الاركان اشكنازي الاخيرة بخريف لبناني حار على خلفية القرار الظني للمحكمة الدولية – فكأن السيد حسن تلقف الكلام الاسرائيلي وسار في خطه متبنيا ما يقوله اشكنازي وقادة العدو واقعا في فخه – والا فاننا نتحدى السيد حسن ان يكشف للرأي العام عن اي لبناني او فريق لبناني في الداخل اتهم او يتهم "حزب الله" باغتيال الرئيس الحريري ورفاقه …
في موازاة ذلك، اننا نسجل لـ "حزب الله" سيره في الاسلوب الاسرائيلي ذاته المتمثل في ملاقاة العدو في الجنوب في خرقه القرار الدولي 1701 وذلك من خلال اعادة تفسيره للقرار الدولي بما يخالف مفهوم ومنطوق واحكام هذا القرار ومحاولته ايجاد قواعد اشتباك جديدة تكبح من سلطات وصلاحيات "اليونيفل" في حفظ الامن والسلم الدوليين في هذه المنطقة القابلة في اي لحظة للاشتعال لشل اي قدرة لهذه القوات الدولية في تنفيذ مهماتها بافضل الظروف وبالقدر الكافي من حرية التحرك تماما كما تسعى اسرائيل الى عرقلة مهام "اليونيفيل" وخرق القرار 1701 يوميا برا وجوا وبحرا للحد من فاعلية القوات الدولية واضعاف هيبتها الدولية يوما بعد يوم. وقد تجلت محاولات "حزب الله" هذه من خلال افتعال اشكالات مع كتائب القوات الدولية في بعض القرى وبخاصة الكتيبة الفرنسية للعودة الى طرح القرار 1701 على بساط البحث مجددا بوساطة الدولة اللبنانية المطواعة لوجهة نظر الحزب – تمهيدا لمحاولة تعديل اليات تنفيذ القرار ميدانيا بما يخدم حرية تحرك الحزب وتدفق السلاح الى داخل الخط الازرق.
واليوم ومع الهجمة على المحكمة الدولية نجد "حزب الله" يحذو حذو الاسرائيليين في الاستخفاف بالشرعية الدولية وتخطيها وعدم احترامها واحترام قراراتها – ونحن والحزب وكل اللبنانيين لطالما كانت شكوانا بكون اسرائيل فوق الشرعية الدولية والقرارات والمواثيق – وبالتالي اذا بالحزب اليوم وبالمنحى الذي تتخذه سياسته تجاه الشرعية الدولية نفسها يتلاقى مع الاسرائيليين في ضرب الهيبة الدولية وبالتالي ضرب هذه الشرعية الدولية عرض الحائط واسقاط هيبة القرارات الدولية ولا سيما القرار 1664 الذي انشأ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والذي لم يكن ليصدر لولا توافق كل اللبنانيين على انشائها وقواعد عملها …
ثالثا: اظن اننا لا نختلف مع أمين عام الحزب في ان احد اهم اهداف اسرائيل الدائمة ضرب الاستقرار والسلم الاهلي الداخليين في لبنان – فلبنان متقاتل مع نفسه ومنقسم على نفسه خير خدمة للعدو نقدمها – والحالة هذه وانطلاقا من هذه الحقيقة نصدم برؤية خطاب السيد حسن التفجيري والتهديدي والتخويني لشركائه في الوطن يصب في مصلحة اسرائيل من خلال اثارة القلاقل والاضطرابات الداخلية بخاصة في الظروف الدقيقة الحالية التي تمر بها المنطقة ولبنان – وهنا تبرز خطورة ليس فقط ما قاله امين عام "حزب الله" اخيرا بل في ما لم يقله: فاخطر ما يمكن ان نتصوره ان يستسهل فريق من اللبنانيين لغة ومنطق ازاحة الاخر لا بل القضاء عليه، وبالتالي تكريس ثقافة رفض الاخر المختلف لا بل رفض التعددية والاختلاف والرأي الاخر وهنا قمة الغطرسة والانعزالية الجديدة ولو كلف ذلك حربا اهلية ودمارا وانهيارا للوحدة الوطنية واسس الجمهورية والديمقراطية التوافقية والسلم الاهلي. فالسيد حسن وحزبه لم يعودا – على ما يبدو يريان مانعا او حائلا او رادعا ولو اخلاقيا – في زعزعة السلم الاهلي والوحدة الوطنية وضرب الاستقرار … واراقة الدماء بين اللبنانيين – هذا ما تدلنا اليه هذه اللغة الحديدية العدائية السافرة التي تمتع به خطابه الاخير متجاوزا اعتبارات واسس التركيبة اللبنانية التوافقية والحياة السياسية الديمقراطية والتوازنات الداخلية والنسيج التعددي اللبناني – وصولا الى اعتماد منطق دكتاتوري شمولي مبني على رفض الاخر وتخوينه لدرجة اننا نتساءل اليوم وغداة خطابه هذا كيف لا يزال هو وحزبه ونوابه ووزراؤه ومسؤولوه يسمحون لانفسهم بلقاء نواب ووزراء ومسوؤلي الفريق اللبناني الاخر الخائن و"الحاضن" للجاسوسية الاسرائيلية بدل مقاطعتهم جميعا واغلاق مناطق الحزب على نفسها وقطع اتصالاته مع لبنان الخائن الاخر…؟
رابعا واخيرا: لطالما دعينا السيد حسن وقياديي الحزب الى القيام بعملية تفكير جماعية ولو لساعة واحدة للرد على السؤال الكبير الذي لا يبدو انهم يهتمون له مع انه هو المفتاح الاساسي في الحوار الوطني الحقيقي الهادف: لماذا ثمة شركاء في الوطن لا يوافقونه على سياسته؟
ولكن وللاسف فان الحزب الذي لطالما كنا نتوسم به في مراحل تاريخية سابقة ايام الاحتلال الاسرائيلي للجنوب قيادة رصينة وفكر متوازن قرر صم الاذان واقفال باب الحوار واللجؤ الى منطق القوة والسلاح واسلوب اثارة الغرائز والتسبب بالفتن المذهبية والوطنية بدا من 7 ايار 2008، وقد ضاق ذرعا بالاخر وبالديمقراطية وبحق الاخرين في محاورته في مواجهة الاخر داخليا لا بل ضاق ذرعا بحق الشريك الاخر في الوجود – مستعيدا الانزلاق الخطير الذي انحرف من خلاله في سلاحه الى مقاتلة الداخل وتهديد السلم الاهلي والاستقرار الداخلي – وكأنه لا سمح الله – يرتضي لنفسه دور ان يصبح هو الخطر الاول على الاستقرار اللبناني الداخلي ومسيرة بناء الدولة والمؤسسات او كانه لا سمح الله – يقبل من حيث يدري او لا يدري بان يتساوى بالعدو الاسرائيلي لينفذ من الداخل ما عجز العدو عن تنفيذه من الخارج بحق لبنان وهذا ما نربأ بالحزب المقاوم لاسرائيل ان يكون فاعلا وهو ما لا نزال نراهن على انه لن يكون …
فاذا اراد الحزب ان يحارب العالم كرمى لعيون النظام الايراني فليتوجه الى الاطراف الاقليمية والدولية لمبارزتها في ساحاتها وليس في لبنان … لا بل ليس على اللبنانيين … فالحزب لا يزال يخطىء الاهداف والتصويب السياسي في مواجهته الكبرى لان منازلة الحلف الاميركي – الاسرائيلي – الصهيوني لا يكون بمعاداة اللبنانيين او بضرب السلم الداخلي في لبنان وتوتير الاجواء وافتعال الفتن على قاعدة اختراع اهداف لبنانية داخلية وهمية بالصاق تهم الخيانة والعمالة والارتهان …
فكم يذكرنا هذا بمقولة من سبقوهم على درب اخذ لبنان واللبنانيين رهينة يوم كانت طريق القدس تمر بجونية حتى ادرك اصحاب هذه النظرية متأخرين خطأهم الفادح …
كما ان منازلة المشروع الاميركي – الاسرائيلي – الصهيوني لا تكون بتخوين اللبنانيين الباحثين عن الحقيقة فيما اكثرية الجواسيس المكتشفين الى الان ينتمون الى مذهب السيد حسن وقياديي الحزب ان لم نقل ان بعض هؤلاء الجواسيس كانوا مقربين جدا من الحزب نفسه … ولا ننسى الاشارة الى ان غالبية الجواسيس بدأوا خدمة العدو في فترة حكم النظام الامني اللبناني – السوري زمن الوصاية حلفاء الحزب … وقد تعاقب على وزارة الاتصالات وزراء كانوا في غالب الاوقات حلفاء الحزب …
فالمحكمة الاسرائيلية اطلقت الضباط الاربعة الحلفاء للسيد حسن وحزبه ولخطه السياسي …
والمحكمة الاسرائيلية استمعت لحليف الحزب اللواء جميل السيد واتاحت له الدفاع عن نفسه وتقديم دفوعه …
والمحكمة الاسرائيلية استغرقت الى الان نيف واربعة سنوات في التحقيقات والبحث عن الحقيقة ولا تزال – ما يثبت رصانة وجدية عملها وعدم تسييسها والا لما احتاجت الى اكثر من اربعة اشهر لا بل اربعة ايام منذ تشكيلها لاصدار حكمها وادانة فريق السيد حسن وحلفائه … على طريقة القرارات الظنية المركبة التي كانت تصاغ زمن النظام الامني بحق الشرفاء بين ليلة وضحاها … لا بل بين ساعة واخرى طبقا للحاجة وغب الطلب …
يقول السيد المسيح: "لا تدينوا كي لا تدانوا" … لذا نصيحة لـ"حزب الله" وقيادته : " كفاكم ادانة لانفسكم … وباقي الجملة نتركه للتاريخ …
