كربجت معي يا إخوان، وما عدت قادراً على تحمّل تلك الواقعة القائلة بأننا في كل صيف ننام على طقس ونفيق على آخر، ونُصبح على مناخ ونُمسي على آخر.
مهرجانات فنية لا مثيل لعددها ولا لحضورها ولا لأجوائها وطقوسها ومناخاتها كما لا مثيل لقدرتها على اختزال الجمال وظرافة العيش في عروة موشّاة بجبل وبحر وناس يلهجون بالشيء ونقيضه من دون أي بأس.
وفي المقابل، مهرجانات سياسية فيها ردح وذمّ وتوتير وتفنيص ووعيد وتهديد لا مثيل لعددها ولا لصخبها وطقوسها ومناخاتها كما لا مثيل لقدرتها على اختزال الضيم ومفردات الكآبة والتوجس في عروة توتر موشّاة بكل ما في الدنيا من قلق وأسى.
حالتان متناقضتان في موقع واحد وزمان واحد وبلد واحد. وخطان متوازيان لكنهما، بعكس منطق الرياضيات وأحكامها و"مسائلها"، يلتقيان في الزمان والمكان ويضربان في الدنيا مثلاً أخّاذاً على فتح "علمي" قل نظيره بل إنعدم.
وكأننا بذلك أسرى نظرية طبية معروفة اسمها "شيزوفرانيا" أو انفصام الشخصية، ويكاد الأمر يقارب المستحيل بل أن يبرك في حضنه ويقيم: جمهور المهرجانات الفنية المتطلع الى ترجمة نوازعه الطبيعية الباحثة عن الفرح في الموسيقى ورفعة الصوت المرْضي عن صاحبه، هو ذاته جمهور المهرجانات السياسية النابشة في الأسى والمسقية بالبؤس والمزروعة في جلالي الشوك والبلاّن والأسيد.
يعيش بين الآخرين لكنه ذاتي ومغلق طائفياً ومذهبياً وسياسياً، ويتباهى بالانفتاح على الغرب وانتاجاته وثقافاته المتعددة وينغلق في قوقعة مشرقية لا تأخذه أبعد من جغرافية منبته ومحل نومه ومنبع خصوصياته، يريد محاربة الدنيا بمن فيها ويشدّ الرحيل في كل حين الى تلك الدنيا قريبة كانت أم بعيدة، يريد الدولة ويلتزم نقيضها، ويريد السلطة وينخرط في سلبها وتهميشها، ويريد العيش وينخرط في نقيضه، ويريد الضوء ويشيع العتم، ويريد البحر وينخرط في تلويثه، ويريد الخَضار ويشيع اليباس.. إلخ.
ولظالم مفتر أن يقول إن هذا جزء من كينونة اللبناني منذ أن كان. لكن دواعي الحق والعدل تنفي تلك الخلاصات الظالمة، وتفترض أن الأحكام الناشفة المبنية على حسابات أكثر نشافاً لا تسري على أحوالنا منذ ثلاثة عقود وأكثر، ففي تلك الأحوال يتغلّب علم الحرب على علم النفس وتبطح الجغرافيا العنيدة علم الاجتماع، وتأتي الفرادة كنتيجة وحيدة لكل ذلك الصخب الوجودي.. والله أعلم.