كثرت التأويلات والتهويلات والسيناريوات الاستباقية لما ستؤول إليه الأوضاع في لبنان بعد، أو في موازاة، صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أو ربما قبل ذلك. حتى باتت الصورة المحلية يلفها غليان وتوتر وضباب بما ينذر بإحداث انقسام حادّ بين اللبنانيين، يتجاوز الخيارات والعناوين والأزمات السياسية التي اعتادوا الخلاف حولها، ويحصرها بقضية جوهرية بحجم المحكمة الدولية الخاصة.
بين حدّي التقديس والتسخيف
وبين حدي التقديس والتسخيف، أطلقت مواقف اعتبر بعضها المحكمة الدولية "مشروعاً إسرائيلياً"، فيما أغرق بعضها الآخر في الخيال رابطاً بين المحكمة وحرب أهلية وشيكة تستلزم تغييراً عاجلاً في طبيعة النظام برمته، بقاسم مشترك هو التخلي عن الحقيقة والعدالة تحت وطأة التخوين أو التلويح بالقوة.
في الحالة الأولى، بدت المواقف متسربلة هالةَ القداسة لقطع الطريق على أي نقاش محتمل في مضمونها، في تجاوز قطعي لكلّ ما هو معروف في عالم السياسة والتقاليد الديموقراطية، خصوصاً وأنها صادرة عن حزب ممثَل في السلطة السياسية وشريك في قراراتها من خلال مشاركته في الحكومة، وبالتالي يستطيع طرح هواجسه من المحكمة أو انتقاده لأداء أي جهاز أمني من داخل المؤسسات. أما وقد وضعت المواقف في خانة المسلمات القطعية فالرد عليها أو مخالفتها باتت تدخل في دائرة المحظور، وبالتالي فإن تهم "العمالة" و"الخيانة" جاهزة منذ الآن لكل من تسوّل له نفسه الاعتراف أو حتى مجرد التعامل العقلاني مع مجريات المحكمة.
بيد أن خطورة الأمر لا تكمن هنا حصراً، بل بحقيقة أن هذه الجهة تملك "فائض قوة" يمكنها من حسم أي أمر لمصلحتها، إذا اعتبرته خارجاً على السياق الوطني، بحسب تعريفها هي.
أما في الحالة الثانية، فقد جاء كلام "الجنرال" عن "المؤامرة الكبرى" على طريقة الأنظمة التوتاليتاريّة، فبناء على "معلومات" حصل عليها من جهات ديبلوماسية غربية، أبدى تخوفه من "سيناريو دراماتيكي، تتداخل فيه عناوين المحكمة وإسرائيل والداخل اللبناني"، طالباً من حلفائه وبخاصة "حزب الله" أن "يعد العدة للفتنة الآتية"، وناصحاً بـ "تغيير قواعد اللعبة".
هكذا يصل التشويق الدرامي إلى منتهاه، عندما يجري التعامل مع الأحداث الكبرى بخفّة وتبسيط، أو عندما تصبح التخيلات والهلوسات وشهوة التسلط ذرائع يتم توسلها لاستجرار الفتن، وردود الفعل الغرائزية والمصالح الضيقة، في وقت تكاد تصرخ كل هذه الأوهام بأن وراء الأكمة ما وراءها من أهداف شخصية أو فئوية أو مناورة في التعاطي مع ملف لاستهداف ملف آخر لا علاقة له بالأول.
عن المحكمة… والفتنة
على أن هذا التقاطع بين المحكمة وإسرائيل والفتنة المحتملة يفترض نقاشاً ينطلق من السؤال الآتي:
أليس غريباً إلى حدّ الدهشة، أن تبني أطراف داخلية حملتها على المحكمة على كلام مسؤول عسكري إسرائيلي، وتتخذ منه ذريعة للتهويل وتهديد الاستقرار، ألا يعتبر هذا الأمر نجاحاً لإسرائيل في زرع فتنة داخلية حول عنوان يُفترض أن يكون محل إجماع وطني؟
لماذا الركون إلى تصريح إسرائيلي والبناء عليه لضرب صدقية المحكمة، أو لتخيير اللبنانيين بين الاستقرار أو نسيان المحكمة، ومعها العدالة؟
ثم لماذا عند كل مفصل مهم تعلو الحناجر والقبضات محذرة اللبنانيين "إما…. أو"، وبعد ذلك يأتي من يحدثنا عن الفتنة وضرورة تجنبها؟ مع التأكيد أن عناصر الفتنة التي يتحدث عنها المتحدثون، وأهمها سعي طرفين إلى إذكائها، غير متوفرة إذ أن الطرف الثاني في البلد متمسك بل جاهد في السعي للسلم والاستقرار مراهناً على الدولة واللبنانيين.
وأخيراً، ماذا لو جاء القرار الاتهامي مخالفاً لكل ما يجري إشاعته والتهويل به؟ خصوصاً وأن هدف المحكمة حصراً هو تحقيق العدالة وإرساء مفهوم عدم الإفلات من العقاب، وقبل كل ذلك وبعده، أن هذه المحكمة لم تشكّل لتفشل، بمقدار ما أنها سوف تضمن أعلى درجات الشفافية والحياد والنزاهة والموضوعية من خلال اعتمادها أعلى المعايير القانونية الدولية في عرض وإثبات الأدلة والقرائن والحيثيات.
نعم للعدالة لا للثأر
هل المحكمة ضرورة؟
في التأسيس، هل كان يخطر ببال أحد، قبل يوم 14 شباط 2005، أن جهة أو شخصاً أو دولة تجرؤ على قتل رجل بحجم رفيق الحريري؟، أغلب الظن أن لا أحد، حتى الرئيس الشهيد نفسه ما كان يظن ذلك. كان في ذهن القَتلة أن ردة فعل ما بعد الاغتيال لن تتعدى خروج سُنّة لبنان (بحسب الافتراض المنطقي لمؤشرات عقلهم الجمعي) لتشييع الرجل إلى مثواه الأخير بأحسن ما يليق به.. يذرفون الدموع، ثم يعودون إلى حيواتهم وأشغالهم، وبعد أيام قليلة يعود كل شيء كما كان… لكن ما حصل كان النقيض تماماً. فالتحدي فرض التحدي، وكان كل شيء يدل على أن لبنان لن يتمكن من استعادة شروط عيشه شبه الطبيعي ما لم ينجح التحقيق الدولي في كشف الجناة ومعرفة الحقيقة إنصافاً للوطن والمواطنين.. ثم كانت المحكمة ودونها عرقلات واضطرابات وحروب صغيرة وكبيرة، لم تَحل كلها دون السعي توصلاً للحقيقة والعدالة.
ولأن المحكمة تعني الجميع في لبنان من دون استثناء، أو هكذا يُفترض أن تكون، فمن غير الجائز على الإطلاق أن تكون محور اهتمام طرف دون آخر ما دام الجميع أعلنوا يوم الجريمة المشؤومة إدانتهم لها والمطالبة بمعرفة مرتكبها، وبالتالي فإن الجميع في لبنان يتحمل إبقاء هذا الأمر في إطاره الوطني الشامل، فليس من حق أي كان لا استباق نتائج التحقيق من جهة، ولا التعاطي مع المحكمة وفق نوعية قراراتها المفترضة من جهة أخرى، خصوصاً إذا كان الجميع واثقين بأنفسهم وصادقين في ما يقولون ويقفون على أرضية صلبة.
هكذا يكون من الضروري والمفيد إبقاء عمل المحكمة في إطار العدالة المقصودة، وفي منأى عن التجاذبات السياسية والأمنية، وكل محاولة لإعطائها طابعاً غير ذلك إنما تحمل في طياتها إساءة متعمدة إلى السلم الأهلي، وتفريطاً بالمسؤولية الوطنية والتاريخية، وتعدياً على الشهادة ومعانيها، بل وتغطية على المجرمين وفعلتهم الشنيعة. من دون أن يعني ذلك إغفال حق أي طرف بمناقشة هواجسه واعتباراته كلها في الأطر الملائمة ومن ضمن المؤسسات، ومن دون تجاوز أن ثمة جريمة كبرى حصلت، وأن كشفها ضرورة ومصلحة.