لا يختلف اثنان في لبنان على ان خطاب السيد حسن نصرالله الاخير الذي ألقاه في مناسبة "يوم جريح المقاومة" خطير للغاية، وقد تضمن جملة مواقف اهمها اعلان الحرب على التحقيق الدولي والمحكمة، مستبقا بذلك القرار الظني الذي يتوقع صدوره خلال السنة الجارية. وجاء اعتبار نصرالله القرار الظني مفبركاً، واتهام المحكمة بأنها اداة اسرائيلية تعمل في سياق استهداف "حزب الله" توطئة لما سيكون عليه الوضع في المرحلة المقبلة، وخصوصا اذا ما تم ادراج اسماء عناصر او مسؤولين من الحزب في عداد المشتبه فيهم بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ومن هنا فإن قول نصرالله إن حزبه عصي على الاختراق يعني بالنسبة الى كثيرين احد امرين: اما ان القيادة لا تعرف كل ما يجري تحتها، واما انها حقيقة لا تخترق فيكون اي متورط من العناصر او القيادات الامنية جزءاً من قرار الحزب نفسه!طبعا هذا الامر لا ينطبق إلا في حال تضمين المدعي العام دانيال بلمار قراره الظني اسماء واتهامات تمس الحزب، واستطرادا في حال انتهاء المحاكمات بالادانة والحكم.
ليس صحيحاً ان احداً في الخط الاستقلالي يعرف مضمون القرار الظني، وما من احد يعرف ما اذا كان سيتضمن اسماء عناصر او مسؤولين من "حزب الله" في دائرة التورط والضلوع. وبالتأكيد فإن كلام رئيس اركان الجيش الاسرائيلي غابي اشكينازي الذي يتوقع فيه صدور القرار الظني في ايلول المقبل، وبالتالي حصول قلاقل في لبنان، لا يعكس بالضرورة معلومات فعلية اكثر مما يعكس رغبة اسرائيلية في المساهمة بتوتير الوضع اللبناني الداخلي، عبر مزيد من تورط "حزب الله" في نزاعات داخلية، وهو يعطي الحزب وحلفاءه مادة دسمة يمكن استغلالها لرفع منسوب التوتر المذهبي والطائفي المؤدي الى عنف مؤكد ما لم يتوقف "حزب الله" عن التوتير والشحن. فجريمة اغتيال رفيق الحريري لا يمكن ان تمر مرور الكرام كائناً من كان الطرف المتورط، في الخارج ام في الداخل. والامر لا يتعلق بسعد الحريري، ولا بوليد جنبلاط بل بكون لبنان لا يمكن ان يستمر في سلوك سياسة النعامة الى ما لانهاية ازاء جرائم قتل كبرى بدأت مع كمال جنبلاط واستمرت مع قادة كبار آخرين وصولا الى الحريري وسائر شهداء ثورة الارز. وتعامل "حزب الله" مع توتره وخوفه من القرار الظني لا يمكن عبر طرح معادلة 7 ايار جديدة بوجه اللبنانيين. واللعب بالنار والنجاة منها مرة لا يصح في كل مرة. من هنا كان على السيد حسن نصرالله ان يتوقف قليلا عند حقيقة سيكتشفها مع الوقت ومفادها ان القوة عنصر مهم في لبنان، ولكن الاهم هو ان يكون لك اصدقاء. و"حزب الله" حاضراً يفتقر الى اصدقاء في لبنان. وهو معزول في الخارج، ويشعر بوطأة العقوبات التي بدأت تطبق جديا على الجمهورية الاسلامية في ايران.
ان العمل في الداخل اللبناني يحتاج الى نضج، والقوة لا تأتي بالنضج حكماً بل ان النضج يمنح قوة في زمن الضعف، ويمنع جنوح القوة نحو الانتحار في زمن الاحساس بالانتشاء بالقوة. ونحن اليوم في مرحلة تحتاج الى نضج اكثر منها الى النشوة. انها مرحلة معقدة يمكن ان تودي بالقوي نحو الهاوية ما لم يدرك ان نظرية البشر فوق البشر انتهت مع النازية قبل نحو سبعين عاما.
ان الهجوم على المحكمة باستغلال كل كبيرة وصغيرة ولا سيما على مستوى جواسيس اسرائيل في قطاع الاتصالات، والموقف المسبق من القرار الظني، والوعد بالتصعيد ضد ما يسمى اليوم "البيئة الحاضنة للعملاء"، لن تؤدي الى تخويف اللبنانيين بل ستعمق الهوّة بين معظم اللبنانيين و"حزب الله" ايا تكن صفته التمثيلية. فالتحكّم بطائفة شيء، اما التحكّم بكل اللبنانيين فأمر آخر، وبعض التملّق والمداهنة من هنا وهناك لا يختصران حقيقة مشاعر اللبنانيين تجاه فريق يصر على مجافاة النضج والحكمة في التعامل مع الواقع اللبناني. فلننتظر ونر.