لا خلاف على ان رئيس الجمهورية قد استشعر بأن هناك من يهمه العودة بالبلد الى لغة الحرب حيث له مصلحة في ذلك، ولا خلاف على ان الساعين الى التصعيد بمختلف الوسائل المتاحة يجدون أنفسهم محرجين جراء عدم حيازتهم ما يضمن نجاح مخططهم، ولا خلاف على ان الفعل في لبنان يكاد يصبح مثل رد الفعل، طالما ان السلاح الكلامي جاهز دائما للتدخل كي لا يقال ان القوة الاتهامية محصورة بطرف؟!
والذين يتابعون تحرك الرئيس ميشال سليمان لم يستوعبوا الى ان غاية البعض من التصعيد والاتجاه بالبلد الى حال صدامية، تأتي في سياق انعدام التأثير السياسي على الخصوم. والا ما معنى الانسياق وراء مشروع التحدي في وقت يعرف الجميع انه من دون طائل. وهذه المعادلة السياسية تكاد تضع الجميع في خانة الاختناق، لاسيما ان أحداً لن يكون بإمكانه النأي بنفسه عن «الخسائر الوطنية»، خصوصاً ان التعبير عن الرأي أصبح بمثابة قصف مدفعي يومي، مع كل ما يعنيه ذلك من تهديد واقعي للاستقرار في البلد!
وفي حال نجح رئيس الجمهورية في مسعاه التوفيقي، لا بد عندها من القول ان من ساق الاتهام ضد خصومه لم يكن على حق، بل انه لم يكن أكبر من مجرد سليط لسان لم يقدر على ترجمة حرف من كل ما قاله. أما في حال كانت رغبة في افشال الرئيس سليمان، عندها سيكون كلام آخر على المقصود من التخوين ومن مساوئ المحكمة الدولية التي حكموا عليها ظلماً قبل ان تصدر أحكامها، وقبل ان تتضح صورة المتهم المرتقب. وهذا من أسوأ ما يمكن توقعه من اللعبة السياسية المتطاحنة لأسباب تكاد تضع المتهم على المنصة المؤهلة للفظ الحكم وليس العكس؟!
وتقول أوساط مطلعة ان رئيس الجمهورية لم يعد قادراً على تجاهل مخاطر لغة الاستفزاز والتحدي والتخوين، أقله لأن أي حساب خاطىء قد يأخذ في طريقه سمعة البلد واستقرارها وسلامها الأهلي، وهذا رأى بعض المستفيدين المحتملين جراء الخوض تباعاً في سيناريوهات شبيهة بما حصل في أيار 2008، بما في ذلك من سيناريوهات قد تصل الى حد تصفية الحسابات المسيحية – المسيحية بحسب ما بشر به من عرف كيف يقرأ أفكار رئيس التيار الوطني النائب ميشال عون الذي أكد بدوره ان تصفية الحسابات هذه المرة لا بد وأن تتخطى إطار التباين الشيعي – السني!
واللافت أيضاً بالنسبة الى الدور السياسي المناط بعون وبخطه السياسي، ان الكلام في أوساط التيار الوطني تشجع على توقع الأسوأ من دون الخوض في ما هو أحسن في حال اختلفت الحسابات على الارض، ان لجهة ما هو مرتقب من المحكمة الدولية او لجهة رد الفعل المنتظر على أحكامها. وفي الحالين تشدد أوساط عون على وجود استحالة أمام حصول فض اشتباك على الساحة المسيحية مهما ضاعف الحليف الشيعي من دعمه الميداني للجنرال ومهما زاد عون من عوامل التغطية على الاثارة غير الواقعية من جانب الحزب، الى حد عدم استبعاد الضرب على الوتر الحكومي المرشح بدوره لأن يهتز في حال كانت رغبة في وضع البلد مجدداً أمام الحلول الساخنة؟!
والأسوأ في نظر من لم يحسب حزب الله والنائب ميشال عون حسابه، هو الانتقال الطوعي الى استخدام السلاح في الداخل، الأمر الذي يضع مؤسسات الدولة في خانة المواجهة الذاتية الشبيهة باليوم الذي انفرط فيه عقد الجيش!
والسؤال المطروح هل من مصلحة لأي طرف لبناني في العودة بعقارب الساعة الى الوراء زهاء ثلاثين سنة. ومن هو المستفيد من الانجرار السلبي وراء مشاريع مشبوهة غايتها الأساسية تنفيس بعض الاحتقانات الاقليمية والدولية (…).
وهناك سؤال آخر: هل من استعداد في المقابل لحصول تهيئة مسلحة تجنباً لمحاذير التبشير بأيار جديد حيث يعرف الجميع ان ما حصل في العام 2008 من الصعب، بل من المستحيل محوه من الذاكرة الوطنية والسياسية؟!