#adsense

باريس تراقب بيروت من باب المحكمة الدولية

حجم الخط

كتب بشير البكر في الخليج الإماراتية: لم يلق خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بصدد المحكمة الدولية ردود فعل مباشرة في باريس، بوصفها واحدة من العواصم الكبرى التي اشتغلت بحماسة منقطعة النظير على تنصيب المحكمة الدولية، بدءا من الإخراج القانوني، وحتى تأمين التمويل المباشر خلال حكم الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك .

ورغم الهدوء في باريس حيال الضجة القائمة في بيروت، إلا أن ما يطفو على السطح لا يثير الارتياح، ويقدر بعض المراقبين أن هذا الهدوء الحذر هو من قبيل الترقب الذي يقوم على ترك السفينة اللبنانية وسط الأمواج المتلاطمة، ليتم التدخل في اللحظة المناسبة . ولا يستطيع المراقب إلا أن يستشف أن “اللحظة” هي وضع حزب الله في الزاوية من خلال “تلبيسه” جريمة اغتيال الحريري .

ويتساءل مراقبون عن السر الذي يجعل باريس غير منفعلة مباشرة أو في صورة معلنة، على غير عادتها، بتداعيات الحديث حول تباشير صدور القرار الظني من المحكمة الدولية في أيلول/سبتمبر المقبل، الذي تؤكد التسريبات الإعلامية أنه سيطال حزب الله . ويذهب بعض هؤلاء إلى الاستغراب حيال الموقف الفرنسي، لاسيما ان باريس أكثر العواصم الغربية إدراكا للتأثيرات السلبية للجدل الدائر في بيروت حول المحكمة، وكانت مواقف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي منذ تسلمه الحكم عام ،2007 متميزة عن تلك التي اختطها سلفه شيراك، وهو خطى خطوات مهمة لجهة الانفتاح على سوريا التي كانت محاصرة بفعل أجواء تسييس المحكمة الدولية في مرحلتها الأولى، التي فرضها شيراك وجورج بوش .

تمثل الاختراق السياسي الذي حققه ساركوزي من خلال الانفتاح على دمشق بإرساء قاعدة لعمل المحكمة على أساس مهني، وإغلاق ملف التسييس في صورة نهائية، وأدى إلى عودة الدفء للعلاقات الفرنسية السورية، ومن ثم تبريد الأجواء اللبنانية وصولا إلى اتفاق الدوحة، الذي نقل لبنان إلى عهد جديد من تنفيس الاحتقان وعودة الهدوء والاستقرار، الأمر بدأ معه الشعب اللبناني يتنفس الصعداء، وأخذ يعد نفسه لمرحلة مديدة من الاستقرار .

لا يوحي الصمت الفرنسي شكلياً بأن باريس مازالت عند حماستها القديمة للحد من التبعات السياسية للمحكمة، وإلا لكانت أدلت بدلوها، وتحركت وفق روحية سان كلو كي تلعب دورا في تهدئة الأصوات النشاز التي بدأت تلوّح بفتنة داخلية، لاسيما ان دبلوماسيتها أكثر معرفة بالتفاصيل والحساسيات اللبنانية، وهي تستطيع أن تقدر عمق الهاوية، التي يمكن أن يبلغها الانقسام اللبناني، في حال استمر البعض بقرع طبول المحكمة التي ستصبح مرادفا للفتنة .

ثمة من يقول إن باريس تتصرف اليوم تجاه موضوع المحكمة الدولية مثلما كانت تتصرف منذ بداية عهد ساركوزي، وفق منطق أن المحكمة هيئة دولية مهنية وقرارها مستقل، وبالتالي فإن العاصمة الفرنسية لا تبيح لنفسها أن تدلي بدلوها، كي لا يفهم البعض من ذلك أنها تريد التدخل في مجرى ومسار المحكمة التي قارب عملها من نهايته .

يصح هذا المنطق من الناحية الشكلية، لكن الأجواء التي بدأت تتشكل حول المحكمة لا تجعل من هذا المنطق يصمد طويلا، لأن هناك من ينوي قولا وفعلا تسييسها، وأول هذه الأطراف “إسرائيل” التي بدأت تتوعد لبنان بأيلول ساخن . هل هي مصادفة أن يصدر القرار الظني في سبتمبر وان يبشر رئيس أركان الاحتلال لبنان ب “سبتمبر ساخن”؟

لا تحتاج المسألة إلى خبراء في الاستراتيجيا لتفكيك طلاسمها وغموضها الواضح وضوح الشمس، فالطفل يدرك أن “إسرائيل” تريد استثمار اتهام حزب الله باغتيال الحريري كي تغير المعطيات الميدانية، وهناك سيناريوهات عدة يجري تداولها داخل بعض الأوساط، أهمها أن “إسرائيل” ستستغل اتهام حزب الله بالإرهاب لتشن عملية عسكرية واسعة النطاق على لبنان هدفها القضاء على المقاومة، وإقامة منطقة عازلة ومنزوعة السلاح في جنوب الليطاني، لكن من قال إن المقاومة لقمة سائغة إلى هذا الحد، وإن الأطراف التي تدعمها ستقف متفرجة، من سوريا إلى إيران، إضافة إلى الشارع العربي العريض؟

إن تحرك فرنسا وحدها على نحو عاجل، هو الذي يمكن أن يغير من اتجاه دفة السفينة اللبنانية، التي يحاول البعض دفعها إلى مجهول كبير، ربما فاق في تداعياته السلبية كل التحديات التي واجهها لبنان عبر تاريخه ككيان .

المصدر:
الخليج الإماراتية

خبر عاجل