#adsense

رداً على الغمز من قناة “حزب العائلة” عن الثوريين المتحدين وأتباعهم

حجم الخط

ثمة في لبنان ثورة على الموضة، ثورة رائجة. بعض الصحافيين والمفكرين، (صفة المفكر تنطبق على اشتغال هؤلاء بالأفكار وليس على قيمة أفكارهم المعرفية)، يعشقون اعطاء انفسهم صكوك براءة ثورية.

وفي هذا الإطار تأتي الأفكار التي طرحت في مقالي الكاتبان فارس اشتي وطلال منجد في صفحة "قضايا النهار" أمس حين تحدث الدكتور اشتي عما أسماه "محورية القائد/الزعيم" بينما غمز الزميل منجد من قناة "حزب العائلة".

المسار الثوري والمتقدم والحداثي بالنسبة للبعض إذن، يتلخص في اعتراضهم على وراثة الزعامات والوجاهات كما تورث الأملاك المنقولة وغير المنقولة. يرون في هذا الضرب من الوراثة ما يؤخر البلد عن التقدم ويمنع اتصاله بالحداثة. مع ذلك لا يفت في عضدهم انهم يختارون ضحاياهم الفكرية بعناية. ينتقون بدقة في ما بينها ويسبغون على بعضها صفات ثورية وتقدمية، ويمنعونها عن البعض الآخر.

وهناك ايضاً معلم آخر من معالم الاحتجاج الذي يجيدونه: إذا كان الوارث يملك من متاع الدنيا ما يؤهله لاكتساب صفة رجل الأعمال الثري، تصبح قضيته أسوأ. ولا يعود امامه من مجال لدخول جنة الحداثة والتقدم والثورية. الثورة والتقدم بالنسبة لهؤلاء تتعلق بالإرث اكثر مما تتعلق بالصيرورات التاريخية، هذا في لبنان والعالم العربي فقط. اما إذا سألتهم تطبيق نظرتهم الضيقة هذه على اميركا مثلاً، يحجمون. لأنهم لا يستطيعون منح العصاميين الاميركيين هذه المنحة، بنجامين فرانكلين مثلاً لا يستطيع ان يكون ثورياً وحديثاً، لأنه أميركي، مع أنه كمثل معظم مقدمي أميركا عصامي كامل الصفات.

الأحكام تتصل بلبنان والعالم العربي فقط. والنتيجة واضحة: يستحيل ان يخرج من صلب الزعيم زعيماً، او من صلب المفكر مفكراً. على أي حال، ربما يجب ان نستثني الاستاذين غسان تويني وجميل مروة وغيرهما كي يستقيم منطقهم على أكمل وجه. هؤلاء جميعاً هم ابناء صحافيين مبرزين، ولم يمنعهم إرثهم الغني من ان يصبحوا ما هم عليه اليوم.

في السياسة، الأمثلة ابرز وأكثر حدة، ريمون اده هو ابن اميل اده، ومصطفى سعد ابن معروف سعد، ووليد جنبلاط ابن كمال جنبلاط، والمير طلال ارسلان ابن المير مجيد. لنكتف بضرب الأمثلة في هذه الجهة، ذلك ان مفكري البلد الثوريين وصحافييه الغاضبين، لا يتذكرون هؤلاء. يحبون الانتقاء والاختيار، ويديرون اذن الجرة نحو الجهة التي تناسبهم. لذا لا تهدف هذه الأمثلة إلى اثبات عبقرية اي من المذكورين أعلاه، بل لتهفيت حجج الثوريين التقدميين.

لنذهب ابعد من الاسماء والألقاب. الثوريون المتحدون وتابعوهم يجدون في هذه الحجج سبباً وجيهاً لإعدام مستقبل البلد. كيف يمكن ان يكون المستقبل مشرقاً، إذا لم يكن ثمة تغير في وجوه الزعامات وتبدلاً حاسماً في أسمائهم؟ مع ذلك قامت الدنيا ولم تقعد على توزير السيدة ريا الحسن: من هي هذه المرأة التي كلفت بإدارة المال العام؟ لا بأس ان يصبح الدكتور حسين الحاج حسن وزيراً، اما ريا الحسن، مع ان الاسم مناسب، بل مطابق، فليست اهلاً لمنصبها. ثم يعترضون على الدور الذي يؤديه احمد الحريري في "تيار المستقبل"، لكنهم يرون في تصريح العماد ميشال عون الشهير، يوم قال: "كرمال عين الصهر ما تتشكل الحكومة"، قوة شكيمة وشجاعة تليق بقادة الثورات. يعترضون على لغة السيدة نايلة معوض، لكنهم يرون سليمان فرنجية فصيحاً: "هوي هيك، يعبر بطريقته ويجيد التعبير عما يريد التعبير عنه". ويغمزون من ثقافة فؤاد السنيورة ولغته العربية السليمة، لكنهم يؤلهون فصاحة رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة".

مفهوم ان يكون لكل طرف سياسي او معنوي او اي شخص الحق في الاعتراض على من يشاء بالحجة التي يريد ويراها مناسبة. وليست هذه الانتقائية التي يعتمدها هؤلاء مما يمكن استهجانه في الحياة السياسية اللبنانية. لكن هذا لا يمنع ان يطالب هؤلاء بالكف عن استجداء الثورات والأفكار التقدمية لإصدار أحكامهم في حق فئة محددة من السياسيين او الصحافيين. والحق ان في هذه الانتقائية ظلماً ما بعده ظلم. ذلك ان تصدر بعض قادة "14 آذار" في المشهد السياسي العام، لم يحصل بسبب انتماءاتهم العائلية او الطائفية، بمقدار ما كان تعبيراً صادقاً عن طموحات وتطلعات فئة من اللبنانيين. قبل العام 2005، وقبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري تحديداً، لم يكن ثمة في البلد من يستطيع ان يقدّر ان اي قائد او زعيم في وسعه جمع عدد هائل من اللبنانيين في ساحة واحدة، للاستماع إلى خطابه وما سيعلنه من مواقف.

المسألة ان استشهاد الرئيس الحريري وضع البلد برمته على المحك، وكان لا بد من انتاج خط سياسي، او خطوط سياسية متباينة ومختلفة، تعبر عن رؤيتها لمستقبل البلد بمعنى من المعاني. هذا ما حدث في "14 آذار" تحديداً، وهذا ما حدث بشكل او بآخر في "8 آذار". وأسباب الشك والالتباس في ما يخص تجمع "8 آذار" لا تتعلق بحجم الحشود بمقدار ما تتعلق بطبيعة الخطاب السياسي الذي يصدر عن هؤلاء.

لنتذكر انه ما خلا حزب الله المستجد على الساحة السياسية، بمعنى انه اكثر الاحزاب فتوة، ليس ثمة في هذا التجمع قوى سياسية يمكن القول انها انتجت جديداً على مستوى الخطاب السياسي. الحزب القومي السوري الاجتماعي هو هو منذ عقود، والتنظيم الشعبي الناصري على حاله منذ أزمان، والاتحاد الاشتراكي العربي يجتر مقولات فارغة، ولا تنفع طلاقة لسان السيد ناصر قنديل في تغطية السموات بالقبوات. الخطاب هو نفسه منذ عقود، وليس ثمة ما يمكن إضافته.

بصرف النظر عن رأي الثوريين المتحدين بطبيعة خطاب "14 آذار" واستهدافاته، فهذا أمر يمكن مناقشته بروية وهدوء في محطة أخرى، إلا أن ما يعجز هؤلاء عن التصدي له يتعلق بحداثة هذا الخطاب في الحياة السياسية اللبنانية. وربما لهذا السبب بالضبط يواجه هذا الخطاب بحملات تخوين لا تنتهي. ولهذا السبب تحديداً، يرتاب فيه الثوريون المتحدون، ويصوبون سهامهم عليه.

خطاب قوى "14 آذار" مستجد وحديث في الحياة السياسية اللبنانية، لأنه خطاب تأسيسي بكل المعاني، فهو خطاب ينطلق من مسلمة ان البلد يعاني من مشكلات لا حد لها، وان ليس ثمة من استطاع ان يجترح حلاً وخطاباً ينقذ البلد من عثراته التي ولدت معه. حتى خطاب حزب الله نفسه، صاحب انجاز التحرير من الاحتلال الإسرائيلي هو خطاب ناقص، لأنه يحرر لبنان من إسرائيل لكنه يستسلم استسلاماً تاماً أمام موجبات ورغبات الجيران والأصدقاء.

قد يكون خطاب "14 آذار" متعثراً في بعض المحطات، لكنه المحاولة الوحيدة في العقود الأخيرة التي تنطحت لحل هذه المعضلات كافة. على هذا ليس موضوع السيادة والحرية والاستقلال، الذي يتندر عليه صحافيو "8 آذار"، موضوعاً منجزاً ومحسوماً. لطالما كان هذا الموضوع شائكاً ومتعباً، ولطالما عرف قادة "14 آذار" وجمهورها ان الطريق إلى تحقيق هذا كله هي طريق جلجلة هائلة، فكرياً وثقافياً وسياسياً ونضالياً. لكنه طريق يستحق ان يسلك.

تنشر "قضايا النهار" القسم الاول من مقالة الزميل جزيني التي ترد على بعض ما ورد في محور الامس حول "المؤتمر التاسيسي لتيار المستقبل". أما الجزء الثاني الذي لم ينشر بسبب ضيق المساحة أساساً، فهو يتعلق بشرح أفكار وشعارات لتيار "المستقبل".

المصدر:
النهار

خبر عاجل