#adsense

… وكأنه يقول انا قتلت!

حجم الخط

… وكأنه يقول انا قتلت!
عبدو شامي

 

أثار خطاب الامين العام لـ "حزب ولاية الفقيه" حسن نصرالله، سلسلة مواقف مستنكرة وصلت الى حد اعتباره "يضع لبنان مرة جديدة على طريق فقدان الاستقرار والانقسام الكامل، وربما منطق الحرب الأهلية"، فضلا عن اثارته "الشكوك لدى اللبنانيين في دور الحزب وتورطه في الاغتيالات منذ العام 2004، كونه الوحيد الذي يرفع السقف ويتهم نفسه مسبقا، ويشكك في المحكمة ويطل التحليلات على عواهنها".

واقع الامر، ان خطاب نصر الله ترك المجال واسعاً لهذا الاستنتاج، كون هذا الخطاب اتسم بالتشنج شكلا ومضمونا، وبدا فيه نصرالله فاقدا لاعصابه، قلقا ومضطربا وخائفا، يوجّه تهم العمالة والتخوين يمينا ويسارا (عملاء كبار وعملاء صغار وبيئة حاضنة!!)، وكأنه مجرم وقع فجأة ومن حيث لا يحتسب، في قبضة العدالة، وايقن بظهور الحقيقة وسقوط اقنعة العفة والمقاومة والوطنية، بعدما ظن لفترة طويلة ان الهروب من العقاب ممكن. وإلا، فإذا كان الامر بخلاف ذلك، كيف عرف حسن نصرالله، ان القرار الاتهامي للمحكمة الدولية سيطاله وحزبه، بل وبدا جازما بذلك؟!

في اعتقادنا، ان الشرعية الدولية تترسخ يوميا في كل العالم، فقد ثبت في السنوات الماضية ان المحاكم الدولية لم تكن محاكمات شكلية بل حازمة وجادة في إرساء العدل، لذلك انتفض الذين رسّخوا نهج الظلم في لبنان، واستشاطوا غضبا، عندما وجدوا ان عصر الافلات من العقاب، الذي كان عنوان السنوات الـ35 الماضية، قد ولّى مع وصول المحكمة الدولية، التي سقط على دربها خيرة قادة الرأي والفكر والسياسة في لبنان، الى ساعة الاعلان عن حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وقافلة شهداء ثورة الارز.

أصاب من قال: "إن من يخاف قرار محكمة هو المرتكب"، واخطأ من اعتبر ان "لا أحد يملك أي معلومات عن قرار المحكمة، التي تعمل بصدق ونزاهة وشفافية وسرية تامة، قبل صدوره، وكل من يدّعي انه يعرف فحوى القرار فهو مخطئ".

لجنة التحقيق الدولي ليست وحدها (بعد الله ) التي تدرك معطيات التحقيق وتفاصيل الجريمة، وتعلم على ضوئها الى مَن ستوجّه التهم، فالمجرم يشترك مع لجنة التحقيق في معرفة تلك المعلومات بأدق تفاصيلها، بل ويتفوّق على قاضي التحقيق في معلوماته، لأن القاضي ببساطة، يحاول اكتشاف تفاصيل وخلفيات وحيثيات الجرم الذي ارتكبه الجاني. وهنا، يجدر بنا التذكير، بأن الكلام على اتهام المحكمة الدولية لعناصر من الحزب، سمعناه بدايةً من الوزير السابق وئام وهاب، وكرره لاحقا الوزير السابق ميشال سماحة، ومعلوم انهما من سفراء النظام السوري في لبنان، ومن انصار الحزب، وهما الطرفان اللذان تحوم حولهما الشبهات الرئيسة، في الجرائم التي شهدها لبنان في السنوات الماضية.

وبالمناسبة، لم نر طرفين ممن يدّعون العداوة، يخدمان بعضهما بعضا مثل الحزب واسرائيل! ففيما يتعلّق بالمحكمة الدولية، قدّمت اسرائل والصهاينة بشكل عام خدمات ثمينة جدا لـ"حزب ولاية الفقيه"، ابتداء بالتحقيق الذي نشرته مجلة "دير شبيغل" الالمانية (المعروفة بانتمائها سياسيا للخط الصهيوني) في 23أيار 2009، والذي ذكرت فيه "ان قوات خاصة تابعة لحزب الله خططت ونفذت الهجوم الذي اودى بحياة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه"… وما تبع ذلك من اعلان وزير الخارجية الاسرائيلي أفيجدور ليبرمان: "انه بناء على تقرير "ديرشبيغل" يجب اصدار مذكرة توقيف بحق نصر الله، ويجب اعتقاله بالقوة اذا لم يسلمه لبنان"…فقد اعطت اسرائيل الحزب بذلك ذريعة قوية وكافية، لرفض القرارالظني اذا ما صحت المعلومات عن تورطه بالجريمة.

تلقف نصر الله تلك الخدمة بالترحاب، فنعى المحكمة الدولية، معلناً أن ما كتبته "دير شبيغل" وما عقّب عليه الصهاينة، هو اتهام اسرائيلي باغتيال الحريري، "وسنتعاطى معه على انه اتهام اسرائيلي".

استطراداً، بدا حسن نصرالله يتكلّم مع جمهوره أو مع شعبه حصراً، الذي يصدّق كل ما يقوله له "السيّد" من دون اعمال فكر او تدقيق او تمحيص، وكأنه كلام منزل او صادر عن معصوم، فلا يمكن تفسير الكلام غير المنطقي، الذي يصعب ان ينطلي على عقول اللبنانيين، والذي ساقه في خلال اعلانه عن القرار الاتهامي للمحكمة، بغير ذلك.

فكيف يمكن تفسير الربط المباشر الذي اقامه نصرالله، وللمرة الاولى بهذا الوضوح، بين كشف متهمين بالتعامل مع اسرائيل في قطاع الاتصالات في تموز الحالي، والقرار الاتهامي المحتمل للمحكمة الدولية، ليخلص الى اعتبار المحكمة "مشروعا اسرائيليا"؟!

يصعب على عقول من لا ينتمون الى فريق"أشرف الناس"، إيجاد تحليل او تفسير لهذا الربط، بل ان ذلك يتخطى قدراتهم العقلية والادراكية، وكل ما يمكن قوله، انه كلام صادر عن مرتبك، لا يعي ولا يصدّق ما يتفوّه به من كلمات.

وفيما يتعلّق بـ"البيئة الحاضنة للعملاء" التي اشار اليها نصر الله، محاولا تخوين قوى 14 آذار ورموزها، الذين كانوا يشكلون حكومة الاستقلال الثاني بعد انسحاب وزراء المعارضة منها، فهي "بيئة حاضنة" تتأرجح هويتها بين احتمالين: فإما ان تكون حاضنة هؤلاء العملاء الطائفة التي ينتمي اليها الحزب كون غالبية العملاء الذين اكتشفوا ينتمون اليها، وهذا احتمال لا يقبل به احد، واما ان تكون البيئة الحاضنة هي النظام السوري-اللبناني الامني المشترك، كون الغالبية الساحقة لهؤلاء العملاء تم تجنيدهم كما ورد في التحقيقات ما بين عامي 1991و2005، ولم يتم اكتشافهم في تلك الحقبة السوداء من تاريخ لبنان، الى ان جاءت ثورة الارز فكرّت سبحة اكتشاف شبكات العملاء وتوقيفها بالجملة، وهذا ما اشار اليه الدكتور سمير جعجع في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 20/7/2010.

خطاب نصر الله كان في غاية الوضوح لايصال رسالة متعددة الاتجاهات، وكأن لسان حاله يقول: "نحن متورطون في جريمة العصر وسلسلة الاغتيالات التي تلتها، والكرة الآن في ملعب رئيس الحكومة سعد الحريري الذي اصبح امام خيارين: إما ان يترك المحكمة تتابع عملها، واما أن يحفظ استقرار الوضع في لبنان، فأيهما يفضل: معرفة واعلان من اغتال والده ومحاكمته، ام استقرار اللبنانيين"؟!

المهم الآن، ما ستحمله المرحلة القادمة، مرحلة اعلان القاضي بلمار قراره الظني الذي بات توقيته قريبا جدا، خصوصا بعد ما اوردته صحيفة "الفيغارو" بان تمثيلً جريمة اغتيال الحريري، سيجري الخريف المقبل في قاعدة عسكرية جنوب بوردو في فرنسا.

فماذا سيجري وكيف سيتصرف رئيس الحكومة؟

الكرة الآن في ملعبه، وعليه البت في الخيار الذي وضعه امامه نصر الله، علما ان الحريري اعلن مرارا، انه سيقبل قرار المحكمة مهما كان، وكذلك فريق 14 آذار، الذي يثق بالمحكمة الدولية كل الثقة، وكذلك جمهور ثورة الارز الاستقلالي والسيادي والنخبوي، الذي لن يثنيه الابتزاز ولا الترهيب ولاالتهديد ولا الوعيد ولا التخوين ولا الاستكبار ولا الاستعلاء ولا التذاكي، عن معرفة حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل