السلاح المستورد مرّتين" لا يمكنه أن يحسم التاريخ اللبناني لمصلحته
الكابوس أول المخاض.. وقيامة لبنان ضرورية
يقول المستشرق الفرنسي الكبير إرنست رينان Yنّه، وفي ما خصّ الأقوام المتواضعة في السلّم الحضاريّ، "فإنّ أدنى عنصر حضارة يمكنه أن يعطي لقبيلة ما رجحاناً واسعاً على سائر القبائل".
ينطبق ذلك، بأشكال مختلفة ومتفاوتة، على تاريخ الصراع بين الجماعات الأهليّة اللبنانيّة. فكل واحدة سعت، تاريخياً، لبناء أرجحية على قاعدة إجتزاء عنصر من الحضارة الغربيّة الحديثة، وتوّهمت أنّها بذلك تصنع لنفسها سيطرة مزمنة بل مديدة على سائر القبائل، هذا بصرف النظر عن إرتباط ذلك بتبنّي منطق "الإنتساب" أو منطق "العداء" الثقافيّ لهذه الحضارة الغربيّة الحديثة.
هذا، في حين كان يكفي أن يتبدّل الظرف بما يتيح لقبيلة أخرى، في زمن آخر، استقدام عنصر حضاريّ آخر لإعادة خلط الأوراق.
فمعروف أنّه وfمجرّد التفاوت في ظروف العناية الصحيّة والطبيّة، كان يمكن لجماعة أهلية في تاريخ الجبل اللبنانيّ أن تضاعف عدد أبنائها في "طفرة ديموغرافية" تصنع غلبتها على جماعة أخرى. وأنّه بمجرّد ورود تقنية عسكريّة حديثة جديدة كان يمكن أيضاً لجماعة مقابلة أن تعود فتحسم الوضع لصالحها.
وما يسري على تاريخ الجبل اللبنانيّ في القرون الماضية، يسري على التاريخ اللبناني الحاليّ، ولو بمعادلة اكثر تعقيداً من جهة، وأكثر تبسيطاً من جهة أخرى.
فالمعادلة اليوم أكثر تبسيطاً لأنّ السباق على استيراد التقنيات العسكرية والقتالية قد أقفل، ولم تستثن منه إلا فرقة واحدة. هذه الفرقة تجعل من السلاح غاية لها ليس لأنّ سلاحها أقوى من سلاح الآخرين، بل لأنّه ليس للآخرين سلاح، أيّ أنّها تجعل السلاح خاصّتها، ماهيّتها، جوهرها، فيما هي مستوردة له، ومن مصدر مستورد له هو أيضاً. إنّها فرقة تزهو بما لم تصنعه أيديها كما لو كانت تزهو بأيديها. هذا في بلد كان الجميع يملك فيه سلاحاً، وسلاحاً كثيراً، لولا أنّ الحرب انتهت بتسوية تقوم على مبدأ "حل الميليشيات"، وكان استثناء ميليشيا واحدة من هذه التسوية شكلاً من أشكال استمرار هذه الحرب من جانب واحد.
والمعادلة هي من ناحية أخرى أكثر تعقيداً، لأنّ الفئة المتماهية مع "سلاح مستورد مرّتين"، لا تقدّم نفسها على أنّها "صلة وصل" بين هذا المجموع اللبنانيّ وبين الحضارة القائمة في زماننا، وهي حصراً الحضارة الغربية الحديثة. على العكس تماماً، تقدّم نفسها على أنّها "طليعة" مواجهة هذه الحضارة، وهي ترمي الجماعات الأخرى بالتخوين من هذه الزاوية.
فالسلاح مستورد هنا للتصدّي لكل القيم الحداثية الأخرى التي يمكن أن تستورد قيمة "الدولة الأمّة" الحديثة التي تحتكر منظومة العنف الشرعيّ، أو قيمة "المواطن الفرد" المتساوي مع شريكه في الوطن قانونياً لأنّه متساو معه أمنياً، أو غيرها من القيم التي صنعت مجد الديموقراطيات الليبرالية الحديثة.
بيد أنّ رفض الفئة المتماهية مع سلاحها المستورد لهذه الحضارة المهيمنة في زماننا إنّما يتحوّل بدوره إلى عائق حضاريّ سيحول دون تحويل سيطرتها إلى هيمنة شاملة ومديدة. وهذا بيت القصيد. بل هذا هو الإختلاف بين "المارونيّة السياسيّة" التي استطاعت تحويل السيطرة الطائفية إلى هيمنة شاملة، وإلى مشروع دولة، ومشروع تحديث، في مقابل المشروع الهيمنيّ الفئويّ المسلّح حالياً، الذي لا يمكنه ذلك، لأنّه لا يطرح نفسه إلا كمشروع إشتباك دائم.
لأجل ذلك فإنّ هذا المشروع ومهما زيّن لنفسه من أسباب "تأبيد قوّته" فإنّه محكوم بمعادلة إرنست رينان التي تفيد أنّ هذا النوع من السيطرة يأتي عرضاً، ويذهب عرضاً، وأنّه لا يدوم، بل هو في اللحظة التي يتوهّم فيها بأنّه "أبديّ" و"نهائي" يكون قد دخل منطق "الطريق المسدود"، منطق الفشل التاريخيّ. ونحن الآن في هذه اللحظة بالفعل. وهكذا لحظة على كابوسيتها هي اللحظة الوحيدة التي يمكن أن يستحيل فيها الكابوس مخاضاً، والمخاض ولادة، والموت حياة، والحياة قيامة، للبنان الجديد، لبنان الباقي ما بعد "المشروع الهيمنيّ الأخير" لأنّه في كل الحالات إمّا أن يبقى لبنان وإما أن ينتصر هذا "المشروع الهيمنيّ الأخير" والتاريخ يعلّمنا أن انتصاره، بمعنى إحلال هيمنة شاملة مديدة، مستحيل. بكل بساطة، مستحيل. "السلاح المستورد مرّتين" لا يمكنه أن يحسم التاريخ اللبنانيّ لمصلحته.