لم أفترض قبل الأمس يا اخوان، أن استعارة "بعضنا" لأدوار الآخرين وانتحال صفاتهم، يمكن أن يسري الى الحد الذي ظهر في الأيام الماضية.
جنرال فاشل يلعب دور سياسي أكثر فشلاً يحاضر في الإعلام وكيفيته ويوزع شهادات بالجودة والضحالة من دون وَرَعْ. فيما إعلامي شتّام يقدم بياناً مستعاراً من خزائن الجنرالات الفاشلين والمافيات والعسس ويلعب دور الديّان حامل مناجل الجلادين! وفي الحالتين خيط يشد باتجاه واحد: القتل ومشتقاته!
والحال أننا إزاء طقس غير مسبوق رغم كل ما مرّ علينا وعلى بلدنا من أهوال في الإجمال. ومخضرمون كثر يعرفون أن شيئاً مثل الذي يحصل راهناً لم يُسجّل قبل الآن.
جهة إعلامية (مفترضة) تُهدد إعلاميين آخرين من دون مواربة ولا تعمية بل من دون محاولة تمرير المراد بين السطور، ومن دون الأخذ في الاعتبار أي مُعطى أخلاقي أو قانوني أو مهني أو جنائي، وتنشر ذلك التهديد بصلافة بيّنة.
في حروب لبنان مرّ الكثير على الإعلام وأهله، والسياسة وأساطينها وأقطابها، بل على الناس في الإجمال، من كل الألوان والطبقات والأصناف والأنواع بعد أن اختلّ منطق الوجود وتخلخل وتكسّر على وقع نفي الحياة والعيش… وصار الذي صار وهو في جملته معلوم ومفهوم عدا ذلك الذي بقي مستوراً في بطون من عمّر في بنيان تلك الحروب الضروس.
وكنا في ذلك المعمعان نسمع بحكم وظيفتنا الباحثة عن خبر (للنشر وليس للدس والشتم) عن تهديدات خطيرة توجه لهذا أو ذاك، أو عن كلام كبير تقوله هذه الجهة الحزبية أو تلك. ولكننا كنا ننستر ونستر، تبعاً لنوازع وأخلاق ذاتية، وأخرى ذات صلة بالمهنة وأصولها ومبادئها وأعرافها، عدا عن هوس الخروج من أسر عقدة رد تهمة كبيرة ألصقت بالصحافة اللبنانية عموماً ومفادها انها تتحمّل جزءاً رئيسياً وكبيراً من أسباب الحرب وذهاب الناس إليها!
وبالتالي لتلك الأسباب ولغيرها الكثير سرت مدوّنات سلوك رفيعة المستوى في زمن ضحل ومبتذل وحربي وهمجي وأرعن… من ضمن تلك المدوّنات الإمتناع عن نشر التهديدات الشخصية المباشرة وكل ما يخدش الذوق العام في الإجمال. ولا نحكي هنا عن الخطاب السياسي الفتّاك ولا عن الحرب وأدبياتها وضروبها، بل نحكي عن أداء مهني محض.
لكن بين تلك الحالة العصية على التكثيف في عجالة يومية وبين واقعنا اليوم، مسافات الضوء والأفلاك والمجرّات… ما كان لصحافة الأمس أن تنشر كلمة بذيئة واحدة قيلت في لحظة هيجان على ألسنة محتربين بالنار ومشتقاته وأسلحته، في حين أننا اليوم نقرأ في صحيفة (مفترضة) تهديداً مباشراً بالقتل موجهاً إلى صحافيين آخرين لا يملكون من أدوات الصد والرد إلا كلمة طيّارة تفترض دفاعاً عن العدل وتحتكم اليه، ودفاعاً عن بلد أُهين أهله عندما صار حرفاً ناقصاً في أعراف الدول والأمم ليس إلا!
..إلى هذا الحد وصل الهيجان التهويلي المنفلت راهناً.. وهو حد كانت ماكينة الإعلام الحربي الحزبية قد فاضت واستفاضت فيه وفي مفرداته في مرحلة ماضية ولكن على ألسنة "حالات" معينة جاءت بها وأطلقتها على الناس من دون ان تصل هي الى درجة توجيه تهديد مباشر واضح إلى إعلاميين آخرين يقفون على النقيض منها في السياسة وأخواتها؟
الى ابعد من ذلك وصل "الإنجاز" التهديدي الراهن، وهو في كل حال تهديد خارج عن السياسة والاخلاق والاصول والمعقول عدا عن كونه ان دلّ إلى شيء فإلى إفلاس متعدد الوجوه وان كان في مقامنا هذا أخذ وجهاً اعلامياً.. والمهنة من ذلك براء!